التحول الرقمى ودعم الإبداع والابتكار عند الشباب مقالات اراء حرة - لغة العصر
رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة               رئيس التحرير: نبيل الطاروطي

التحول الرقمى ودعم الإبداع والابتكار عند الشباب


  

التحول الرقمى ودعم الإبداع والابتكار عند الشباب

ما تبذله الدولة من وضع سياسات لدعم التحول الرقمى يأتى فى إطار إدراك القيادة السياسية لحجم التحديات التى تفرضها الثورة المعلوماتية، إلى جانب الفرص التى يمكن أن نعمل على توظيفها بما يخدم عملية التنمية المستدامة، والتى باتت تشغل العديد من دول العالم. وأصبحت هناك أهمية فى دعم الاستخدام النافع لتلك الثورة الرقمية، وبخاصة التطبيقات الإلكترونية، وذلك من قبيل أن ما نجده فى أيدينا من تطبيقات تكنولوجية بطبيعتها محايدة، ولكن ما يعمل على بلورة نمط الاستخدام لها ثقافة المستخدم وبيئته التى يعيش فيها، وربما تبعًا كذلك لحالته النفسية، وإلى نمط العلاقات الصراعية أو التعاونية التى يرتبط بها، والتى تلعب دورًا فى التأثير على الإدراك، ونمط التفكير، ثم التأثير فى السلوك سواء أكان سلوكًا خيريًا أو عدوانيًا.
ومن ثم يمكن أن يتم توظيف الشبكات الاجتماعية كـ”أداة لتغيير السلوك” لدى الشباب، ولتصبح أدوات لتحقيق التنمية الاجتماعية التى ترتكز على اعتبار الفرد هو الوسيلة والغاية. وبخاصة أن العلاقة بين الشباب والشبكات الاجتماعية أصبحت ذات طبيعة مزدوجة فهى كاشفة من ناحية لحجم التحديات التى يواجهها الشباب - وهم الأكثر تعرضًا واستخدامًا ومعاناة - وتكشف من جهة أخرى عن فرص للاستفادة، وإمكانية توظيفها، بما يخدم الشباب على مستوى التفكير والإبداع والابتكار والمشروعات الناشئة.
وباتت الشبكات الاجتماعية تلعب دورًا فى التأثير فى القيم والسلوك لدى كافة فئات المستخدمين من المجتمع، وبخاصة فئة الشباب، وذلك لما تتميز به تلك الشبكات من عناصر جذب ذاتية، ومنها ما يرجع إلى طبيعة التحولات التى يمر بها المجتمع، وهو ما يتعلق بخطورة انعكاس ذلك فى عنصرين هامين فى البناء الاجتماعى، وهما عنصرا الشباب والنسق القيمى للمجتمع، وذلك من خلال ما يتم رصده من علاقة بين الشبكات الاجتماعية، كمتغير مستقل والنسق القيمى الأخلاقى كمتغير تابع، إلى جانب علاقة ذلك بمتغيرات وسيطة تتعلق بدوافع تعرض الشباب والفجوة الديموجرافية، ومعدل ثقتهم فى المؤسسات الحكومية.
وعلى الرغم من أن الإعلام بطبعه قد يكون عاكسًا للقيم المحلية الأصيلة، فإنه فى حالات أخرى يكون هو الذى يملك الريادة فى تغيير القيم، وتبقى مسألة الحكم على القيم التى تتغير، والأخرى التى لا تتغير أو تقع ضمن النسق العقيدى للجماعة متوقفة على درجة تماسك النخبة، ومستويات التعليم والثقافة داخل المجتمع، وحالة رأس المال الثقافى أو الإعلامى وموقفة من قيم المجتمع، وذلك مع حرية انتقال الأفكار والمعلومات والرموز ما بين الداخل والخارج. وتبقى فى المواجهة المؤسسات الأهلية المحلية، ودرجة التعاطى الإيجابى لها مع تلك الثورة المعرفية، وقدرتها على تسويق قيمها، وتطوير خطابها فى ظل السيل الجارف من المعلومات والرموز من الخارج. وبقيت مناعة المجتمعات من التأثير المتصاعد لذلك التيار متوقفة على إدراك القيادة السياسية والنخبة ومؤسسات المجتمع لمعطيات الثورة المعرفية الجديدة، فأصبحت كلما امتلكت القدرة على التحديث والسرعة والاستجابة للتحديات، كلما كان لها القدرة على حفظ الأمن الثقافى والسيطرة على المحاور الرئيسية للتوافق المجتمعى على الأقل.
وعلى النقيض، فإنه فى حالة العجز وفقدان الصلة بين حجم التغييرات على الأرض، وملائمة السياسات المتبعة من الحكومات، تحدث القطيعة الثقافية بين المواطن والمؤسسات ذاتها، وتعزيز حالة الانعزال، والغربة الثقافية، وتدهور القيم المحلية، وتراجعها فى مقابل إدخال أنماط جديدة لا تعمل على استقرار المجتمع بل على تفكيكه بنيويًا وقيميًا، وعجز المجتمع عن التوصل إلى بوصلة توجهه نحو الطريق الصحيح فى ظل موجات العولمة الثقافية العاتية، التى تعمل على الاستفادة الإيجابية مع المعطيات الجديدة، والتخلى عن القيم السلبية، وتبنى قيم جديدة ترتكز على الانفتاح والتسامح والإبداع والعمل وغيرها.
إن تنمية ثقافة الحوار والتسامح وحل الخلافات، من الأهمية بمكان يجعلها هى أساس معالجة ما يعترى مجتمعنا من مشكلات ووقف تدهور الطاقة البشرية، وقيمة الوقت للعمل على استخدام الشبكات الاجتماعية فى إحداث تغيير قيمى، ثم سلوكى، على النحو الذى يؤدى إلى تعزيز القيم المحفزة على التنمية، مثل قيمة العمل والإنجاز والتطوع والتسامح وغيرها.
ولا شك أن العامل الاقتصادى لا يمكن تجاهله، وبخاصة أن الضغط المادى يؤثر نفسيًا على المواطن وعلى الجماعة بشكل عام. ومن ثم، فإن العمل على تحسين الدخول والمستوى المعيشى جزء مهم فى عملية الحد من تدهور القيم الاجتماعية. ولا ينفصل ذلك عن أهمية مكافحة الفقر والبطالة، وخاصة بين الشباب، وهم الكتلة الحرجة داخل المجتمع، وهم الأكثر استخدامًا لها والأكثر نشاطًا ومعاناة فى نفس الوقت من ظروف الواقع المعاش.
إن عملية إنقاذ الفرد والمجتمع والدولة من تدمير القيم الأصيلة عبر تلك الوسائط الإعلامية الجديدة، تتطلب أن يكون الشاب هو منصة الانطلاق فى تلك المواجهة، وتعزيز ثقافته العامة والتقنية، وتشجيع التوجه لديهم إلى الكليات العملية، ورفع مستويات الخطاب الثقافى للمؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية ليكون لها الدور الحاضن للشباب، وتشجيع روح التسامح والحوار والابتكار والإبداع، وذلك لأن ثقافة المستخدم هى السبيل الوحيد للوقاية الذاتية من مخاطر الاستخدام السلبى للشبكات الاجتماعية.
ويمثل الشباب قوة نسبية للدولة فى سبيل البحث عن فرص للاستحواذ على اقتصاد المعرفة، وبخاصة أهمية الإبداع والابتكار فى النمو الاقتصادى، خصوصًا، وأنه يتم تصنيف الدول وفق مؤشرات الابتكار والإبداع، ويتم احتساب مؤشر الإبتكار العالمى بتحديد متوسط مؤشرين فرعيين. أولهما مؤشر المدخلات الذى يقيس عناصر الاقتصاد التى تجسد الأنشطة المبتكرة، والتى تتم رؤيتها وفق خمسة ركائز هى: قدرة المؤسسات الفاعلة، وحجم رأس المال البشرى والبحوث، ومدى توافر البنية التحتية، وحجم التطور فى السوق، وفى الأعمال. وثانى تلك المؤشرات ما يتعلق بالمخرجات الخاصة بطبيعة المعرفة والتكنولوجيا والمخرجات الإبداعية والتطبيقات المرتبطة بها.
وأصبح ذلك توجهًا للدول الفقيرة والغنية فى الموارد معًا فى محاولة للتأقلم مع الثورة العالمية فى مجال الاقتصاد الرقمى، وبخاصة مع كون المنطقة العربية ومصر تحتوى فى هيكلها السكانى نسبة 60 % من السكان من الشباب، وهم ثروة بشرية تشكل ميزة نسبية إذا ما تم توظيفها على نحو جيد بشكل يجعل هؤلاء الشباب مؤهلين للدخول إلى سوق الاقتصاد الرقمى، الذى يستطيع أن يحقق عددًا من المكاسب لعل أهمها، العمل على زيادة معدلات النمو الاقتصادى بالانتقال من الاعتماد على الموارد الطبيعية إلى إنتاج المعرفة، وزيادة فرص العمل، وزيادة معدلات الإنتاجية حيث تتميز الصناعات الرقمية بأنها عالية الإنتاجية، وتمنح القدرة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة للنمو بسرعة، والعمل على مكافحة الفقر، ودمج المهمشين، وتحسين جودة الرعاية الصحية، وتوفير النفقات على الأمراض المزمنة، وزيادة صحة وإنتاجية العامل، وانخفاض تكلفة العملية التعليمية، وتحسين الجودة، واستخدام تطبيقات التعليم الإلكترونى.
وأخيرًا، أهمية تعزيز التحول من الطابع الاستهلاكى إلى الدور المنتج والفاعل فى صناعة التكنولوجيا كجزء من تحرير الإرادة الوطنية، وتعزيز المكانة الدولية. ولعل توافر الإرادة السياسية إلى جانب غنى مصر بطاقات بشرية هائلة من أهم عناصر النجاح فى طريق المستقبل، وتعزيز التنمية المستدامة، وتحقيق الأهداف الإنمائية للأمم المتحدة، وأجندة 2030.

عن الكاتب

كلمات البحث:
شارك

التحول الرقمى ودعم الإبداع والابتكار عند الشباب

التعليق

  • تعرف على

    أفضل موسوعة عربية فى مجال التقنيات المعلوماتية في مصر والعالم العربي، وتقوم بنشر المعرفة المتكاملة والمستحدثة بكافة صورها حاليآ ومستقبلآ.

  • تابعنا على الفيس بوك

© 2014 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الاهرام