إدمان الإنترنت ومعسكرات العلاج الصينية مقالات اراء حرة - لغة العصر
رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة               رئيس التحرير: نبيل الطاروطي

إدمان الإنترنت ومعسكرات العلاج الصينية


  

إدمان الإنترنت ومعسكرات العلاج الصينية

يري باحثون فى مجال التأثيرات النفسية لاستخدام الإنترنت، أن المستخدم الذى يقضى 30 ساعة فى الأسبوع، أو 4 ساعات فى اليوم على الإنترنت، دون أن يتطلب عمله ذلك، سوف تظهر عليه أعراض إدمان الإنترنت.
ووجد باحثون من جامعة “ميلانو” فى إيطاليا، أن المخ بعد الاستخدام الزائد عن الحد للإنترنت، يفرز مادة “الدوبامين” بمعدلات أعلى بكثير من معدلاتها الطبيعية، وهى من المواد الكيماوية التى يفرزها المخ عند إدمان المخدرات.
كما وجدوا أن القرار بالتوقف المفاجئ عن استخدام الإنترنت له نفس أعراض التوقف المفاجئ عن استخدام المخدرات، من سوء الحالة المزاجية، وزيادة القلق والاكتئاب.
وكانت الصين أول دولة تعلن رسميًا أن إدمان الإنترنت مرض نفسى، وأنشأت بالفعل 250 معسكرًا فى طول الصين وعرضها، تشبه معسكرات تدريب الجنود لعلاج المصابين بإدمان الإنترنت، مع أن الخبراء فى مجالى الطب النفسى وعلم النفس، لم يتفقوا بعد على كون الاستخدام الكثيف للإنترنت إدمانًا، ولا على أنه مرض نفسى!

التواصل رقميا.. ووجها لوجه!
تتيح الإنترنت التواصل بكل أنواعه مع آخرين فى أى مكان على وجه الأرض بسهولة وسرعة، وبأقل التكاليف. كما تتيح القدرة على التنسيق مع الآخرين، وبناء علاقات اجتماعية جديدة، وتتيح أيضًا الحفاظ على العلاقات الاجتماعية مع المعارف برغم المسافات. وتسهل أيضًا التنظيم الاجتماعى، وتكوين الجماعات من الأفراد ذوى الاهتمامات والمصالح المشتركة. كما أنها توفر فرصًا للمشاركة فى المجهود الجماعى والحركات الاجتماعية، وغيرها من الأنشطة الاجتماعية التى يمكن أن تسهم فى تطوير المجتمعات.
ولكن فى الوقت نفسه، نجد أن ثمن هذا التواصل اللامحدود هو أن الحوارات عبر الإنترنت يغيب عنها الاحترام، ويسودها الكلام الجارح والمحرض، والتفاهة، والسوقية، والتحرش، مقارنة بوسائل التواصل التقليدية.
ويرى “هيوبرت دريفوس” أستاذ الفلسفة بجامعة كاليفورنيا – بيركلي، وهو مؤلف كتاب “عن الإنترنت: العقل وهو يعمل”، أن العلاقات الافتراضية على شبكة الإنترنت تضر بطريقة غير مباشرة بالعلاقات الاجتماعية فى الواقع، لأنها تجعل الأفراد أقل حرصا على تخصيص الوقت والمجهود للقاء وجهًا لوجه، وأن العلاقات الافتراضية علاقات سطحية قصيرة لا تعبر عن الشخصية الحقيقية لأطراف هذه العلاقات. بالإضافة إلى أن الحدود فى هذا العالم الافتراضى ليست واضحة بين الفضاء العام، أو بين ما يريد كل إنسان أن يعرف الآخرون عنه، وما يمكن أن يعرفه الآخرون عن طريق الأدوات التى تتيحها تكنولوجيا التواصل الاجتماعى، والتى لا تريد لمستخدمها أن يفكر خارج “الشبكة” أو يتصرف بعيدًا عن المسارات المرسومة للتواصل مع الآخرين.
وطبقًا للدراسات التى أجرتها “شيرى تيركل” أستاذة الدراسات الاجتماعية للعلوم والتكنولوجيا، بمعهد ماساتشوستس بالولايات المتحدة، أنه خلال التواصل وجهًا لوجه، يؤثر الكلام الذى يقوله أحد الطرفين على الطرف الآخر بنسبة 10 %، ولغة العيون وحركات الجسد بنسبة 55 %، ونبرة الصوت بنسبة 35 %. أما التواصل عبر الإنترنت، فينحصر فى حاستين أساسيتين فقط هما السمع والنظر. وتقول “تيركل”: صحيح أن العلاقات الإنسانية متشابكة ومعقدة، ولكن ليس هناك أجمل من أن تجد إنسانًا من لحم ودم يسمع ما تقول، حتى ولو كان كلامًا مملًا فى بعض الأحيان، لأننا عندما نتواصل مع الآخرين وجها لوجه قد نتردد، وقد نتلعثم، وقد ننسى الكلام، فنسكت.. فهذا هو نحن على حقيقتنا.
لكن يبدو أن ما تقوله “تيركل” سوف يضيع وسط صخب التواصل الافتراضى، وطوفان التهانى الرقمية بالأعياد والمناسبات!

الهوية البديلة
ويرى فريق من الباحثين، أن من خيرات الإنترنت أيضًا، أنها تساعد على تشكيل الهوية والنمو النفسى لمستخدمها من خلال تجريب جوانب مختلفة من الهوية، وأن يختار ما يراه مناسبًا عن طريق هوية بديلة خلال التواصل الافتراضى، بعيدًا عن الإحراج، أو الفقد، الذى قد يتعرض له عند التواصل مع الآخرين وجهًا لوجه.
لكن ثمن ذلك كما يرى فريق آخر من الباحثين، أن إخفاء الهوية عند التواصل عبر الإنترنت، يمكن أن يؤدى إلى تصرفات عدائية تجاه آخرين، تضر بهم، وغالبًا تمر بلا عقاب أو ردع يمنع تكرارها. بالإضافة إلى أن هذه الهوية البديلة، قد تؤدى إلى فقدان الإحساس بالواقع تدريجيًا، وإلى ضعف قدرة المستخدم على التمييز بين الواقع والافتراضى، وقد تخلق خلطًا مستمرًا بين الاثنين، وإحساسًا بالقلق الدائم والتناقض وفقدان المعنى.

الإنترنت وثقافة الآخر.. تفاعل أم تفتيت!
لا تعترف الإنترنت بحدود الجغرافيا ولا الحدود الثقافية التى تأتى معها، فتجعل التفاعل سهلًا وسريعًا بين أشخاص ينتمون إلى هويات وخلفيات ثقافية مختلفة. وقد أجرى مركز “بيو” للأبحاث بالولايات المتحدة، استطلاعا للرأى بين المسلمين فى 39 دولة، ووجد أن المسلمين الذين يستخدمون الإنترنت بصورة منتظمة، نظرتهم للغرب وثقافته أكثر إيجابية من المسلمين الذين لا يستخدمون الإنترنت، وأنهم لا يميلون إلى الاعتقاد بأن الأفلام والمسلسلات الغربية لها أضرار أخلاقية على بلدانهم، وأنهم أكثر تسامحا مع الديانات الأخرى، ويحاولون أن يجدوا فيها ما يتشابه مع الإسلام – بصرف النظر عن مستوى التعليم والسن والنوع (ذكر أم أنثى). وقد أظهرت الدراسة، أن الفارق فى مستوى التسامح وتقبل الآخر بين الفئتين كان الأكبر فى باكستان، والأقل فى مصر.
لكن هذا التفاعل “السهل والسريع” بين الثقافات المختلفة، مع الوقت، قد يغذى أيضًا الخلافات بينها، بما يشجع على تكوين مجتمعات افتراضية صغيرة حول اهتمامات وهويات ثقافية ضيقة، وقد يؤدى إلى تفتيت الثقافات إلى قبائل.. رقمية!

التجارة الرقمية والقرصنة الرقمية أيضًا
أما فى عالم الإنتاج والتجارة، فالإنترنت تساعد على ظهور أنماط جديدة من الإنتاج، والتنسيق والميكنة بصرف النظر عن الزمان والمكان، وطرق جديدة للبيع والشراء، مثل حجز الفنادق وتذاكر السفر وغيرها، بما يوفر فى النفقات ويقلل من الأسعار.
لكن فى المقابل، فالتجارة الإلكترونية أيضًا أكثر عرضة للسرقة والنصب والقرصنة وانتهاك حقوق الملكية الفكرية. والصناعات الثقافية من نشر الكتب، والموسيقى والأفلام، وغيرها هى الأكثر تضررًا، وذلك لسهولة نسخها وتداولها عبر الإنترنت.

عن الكاتب

كلمات البحث:
خالد الغمري

رابط دائم:
شارك

إدمان الإنترنت ومعسكرات العلاج الصينية

التعليق

  • تعرف على

    أفضل موسوعة عربية فى مجال التقنيات المعلوماتية في مصر والعالم العربي، وتقوم بنشر المعرفة المتكاملة والمستحدثة بكافة صورها حاليآ ومستقبلآ.

  • تابعنا على الفيس بوك

© 2014 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الاهرام