عصر المعلومات.. والحق فى نسيان الماضى أخبار وتقارير تقارير - لغة العصر
رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة               رئيس التحرير: نبيل الطاروطي

عصر المعلومات.. والحق فى نسيان الماضى


  

عصر المعلومات.. والحق فى نسيان الماضى

“جوجل” تعرف ما تبحث عنه، وتقترح عليك أشياء مقاربة لاهتماماتك، وخرائط “جوجل” لديها وصف تفصيلي شامل بجميع الشوارع، والأماكن التي زرتها، وتعرف ما إذا كنت قد ذهبت إليها راكبًا أم ماشيًا، بل، وتعرف المطاعم التي زرتها، وكم من الوقت قضيت فيها. و”فيسبوك” تعرف ما تبحث عنه، وتعرف أفراد عائلتك، وأصدقائك، وأصدقاء أصدقائك، بل، وتعرف تواريخ زواجك، وتواريخ ميلاد كل فرد من أفراد العائلة، وتحتفظ بألبوم للذكريات، وتعرف من قمت بتهنئتهم بعيد الميلاد، ومن تجاهلت تهنئتهم، ومن قمت بمواساتهم في اللحظات الصعبة، ونفس الشيء ينطبق على العشرات من تطبيقات التواصل الاجتماعي، ومواقع الإنترنت كاليوتيوب، بل، وحتى المتصفح الذي تستخدمه للدخول على الشبكة، والمواقع التي تزورها تعرف عنك الكثير، وشركة الإنترنت التي تزودك بخدمات نقل البيانات تحتفظ في سجلاتها بملفات كاملة عن جميع المواقع التي قمت بزيارتها، ومعلومات كاملة عن الجهاز المستخدم، وهل دخلت من الكمبيوتر الشخصي، أم من الهاتف الذكي، وغيرها من مئات التفاصيل والمعلومات.

وفي الغد القريب، عندما تدخل إنترنت الأشياء حيز الانتشار العملي، وتتصل بها السيارات، والثلاجات، وأجهزة الإضاءة، والموسيقى، وغيرها ستكون كل تفاصيل حياتك الدقيقة، تحت المراقبة، لأن جهاز التكييف سيحتاج لمعرفة موعد عودتك للمنزل ليبدأ عمله في تهيئة المناخ المناسب لك، وجهاز المايكروويف سيحتاج لمعرفة موعد عودتك ليبدأ في تسخين وجبة الغداء. كما أن نظام المراقبة الأمنية للمنزل سيكون محتفظًا بسجل مواعيد دخولك وخروجك من المنزل، ونفس الشيء بالنسبة لجميع أفراد العائلة. وفي العمل، فإن الأنظمة الإلكترونية لديها نسخ من بصمات اليد، والوجه والعين، وغيرها.
باختصار، مع تغلغل الأجهزة الإلكترونية في حياتنا، والتحول الرقمي الذي تحولت كل تفاصيل حياتنا إلى أشياء مكشوفة ومراقبة من الآخرين.
في الماضي كانت الخصوصية هي الأصل، والمشاركة هي الاستثناء، فلم نكن نسمح لأحد أن يتطفل على خصوصياتنا إلا في الحدود التي نسمح لهم بها، ولكن الآن، لم يعد في مقدورنا حماية أبسط خصوصياتنا. أصبحنا نعيش في عالم “نهاية الخصوصية”، بعد أن تم القضاء عليها سواء بإرادتنا أو بدون إرادتنا.
ويتسم عصر نهاية الخصوصية برواج مفاهيم تقنية جديدة، تهدد بمزيد من الاقتحام لحياتنا، وحتى الأسرار التي نعتبرها في مأمن لأننا استودعناها لدى شركات كبرى، على أمل أنها قادرة على حماية معلوماتنا وبياناتنا، باتت معرضة للاختراق والسرقة من جانب كبار المخترقين ولصوص المعلومات.
اعتبارًا من شهر يناير 2017 تمتع نحو 50 % من سكان العالم بقدرات الوصول إلى الإنترنت، وهؤلاء جميعًا على اختلاف بلادهم، وثقافاتهم، وألوانهم، ومعتقداتهم، يشتركون في شيء واحد، ألا، وهو أنهم جميعًا معرضون لمخاطر اختراق الخصوصية التي تتراوح ما بين سرقة البيانات الشخصية الحساسة مثل معلومات بطاقات الائتمان، أو أرقام الهويات الشخصية.
قبلها بأربعة أعوام على وجه التقريب، في أوائل سبتمبر 2013، أعلنت شركة “ياهو” أن نحو 3 مليارات من حسابات البريد الإلكتروني المسجلة لديها تعرضت للاختراق.
وفي 2016 أظهر استطلاع للرأي في الولايات المتحدة الأمريكية، أن 96 % من مستخدمي الإنترنت لديهم مخاوف جدية من قراصنة الإنترنت، ويعتبرون أن دخولهم على الإنترنت يهدد خصوصيتهم.

مزيد من الحماية = مزيد من الرصد
في العام التالي، وبالتحديد في 23 مايو 2017، حدث تطور مهم جدًا، فلمزيد من الحماية، اتضح أنه يجب القيام بمزيد من عمليات “الرصد المستمر” للمستخدمين، حتى يصبح هذا الرصد جزءًا لا يتجزأ من الحياة الرقمية، ففي هذا اليوم، أعلنت شركة “جوجل” أنها ستبدأ في ربط مليارات المعاملات المالية التي تتم عبر بطاقات الائتمان، بسلوك مستخدميها عبر الإنترنت، وهي السلوكيات التي يتم تعقبها بالفعل، ومطابقتها مع تحليلات البيانات الواردة من التطبيقات المملوكة لشركة “جوجل” مثل يوتيوب، وجى ميل، وخرائط “جوجل”، وغيرها. كما أن “جوجل” تريد أن تقدم أدلة للمعلنين في إعلانات “جوجل” أن إعلاناتهم مجدية، وأنها تقود المستخدمين فعلًا إلى القيام بعمليات شراء حقيقية.

تجارة المعلومات الشخصية
وتتنوع مصادر قلق المستخدمين حول خصوصياتهم، وحول الكيفية التي يتم بها استخدام بياناتهم، فالملايين من المستخدمين يقدمون معلومات شخصية للشركات، ولكنهم لا يعرفون كيف يتم استغلال هذه البيانات، وهل يتم بيعها لشركات أخرى، أو لأجهزة أمنية واستخباراتية حكومية. وهذا الموضوع يشكل قلقًا متزايدًا.
وتؤكد بعض الإحصائيات التي ظهرت للنور في يناير 2016، أن عددًا كبيرًا من مستخدمي الإنترنت في جميع أنحاء العالم، ومتخصصي تكنولوجيا المعلومات يعتقدون أن الحكومات ليس من حقها الحصول على معلومات عن سلوكياتهم عبر الإنترنت. ولكن من ناحية أخرى، تبرر وكالات الأمن القومي حقها في الوصول إلى بيانات المستخدمين الشخصية بسبب تزايد التهديدات الإرهابية. وأن الجرائم التي شهدها العالم على مدى السنوات الماضية تتطلب حصول الحكومات على حق الوصول إلى البيانات الشخصية لمستخدمي الإنترنت، لمراقبة أي سلوكيات مشبوهة.
إلا أنه، وإذا كانت الحكومات لديها ما يبرر مطالبها، فإن المخاوف تتزايد من الوصول غير القانوني للمعلومات من جانب أشخاص أو منظمات إجرامية، قد تستخدم تلك المعلومات ضدهم، أو لزرع فيروسات، أو برمجيات خبيثة في أجهزتهم، أو الاستغلال الانتهازي والابتزاز، أو السعي لإذلالهم، ومضايقتهم بطرق تضر بسمعتهم، أو بسمعة أفراد العائلة.
وكشفت دراسة استقصائية أجريت في يوليو 2016، على مستخدمي الإنترنت في الولايات المتحدة الأمريكية، أن 5 % من مستخدمي الإنترنت تضرروا بسبب تسرب معلومات حساسة، أو بسبب سرقة وانتحال هوياتهم، أو تزييفها على الإنترنت. وتتصاعد المخاوف عندما يتعلق الأمر بموقف الآباء والأمهات القلقون على سلامة أطفالهم. ويقول نحو 50 % من الآباء والأمهات الأمريكيين الذين شملهم الاستطلاع أنهم سبق لهم أن ناقشوا قضايا سرقة الهوية مع أطفالهم.

الحق في النسيان
يتم تسجيل كل تصرف يقوم به أي شخص على الإنترنت، وعندما يستخدم شخص ما الإنترنت لسنوات طويلة، فإن ماضيه لا ينمحي، ويبقى مسجلًا ومحفوظًا في السجلات الإلكترونية. وعندما يرتكب شخص خطأ، أو إساءة، أو جريمة، فإن من الطبيعي أن يتم الحساب، والعقاب، ثم نسيان الماضي، والمسامحة، ومنح الشخص فرصة جديدة ليبدأ حياته كمواطن صالح. لكن مع الإنترنت تبقى المشكلة قائمة، فإذا ارتكب شخص جريمة رشوة، أو قام بمعاكسة فتاة، أو تشاجر مع مديره في العمل، وانتهي الأمر، وتم إغلاق الملف، يمكن لأي شخص أن يبعث الحياة في الماضي، وأن يعيد إحياء الماضي السيء، ليقف عقبة في وجه الشخص. ويتضح هذا عندما يتقدم أحدهم لوظيفة، ويتم البحث عنه على الإنترنت، ويتم اكتشاف أن له ماض، فإن الوقائع الكثيرة تؤكد أن الشركات لا تتسامح مع هذه الأخطاء، حتى ولو كانت من عشرات السنين، ويبقى الماضي دائمًا عقبة في طريق المستقبل، ليجد الشخص نفسه مدمرًا، غير قادر على محو الماضي من الأذهان، رغم توبته، وتعهده بعدم ارتكاب الخطأ مرة أخرى.

جوانب نفسية واجتماعية
ومن الواضح أن تدمير فرص الإنسان في نسيان الماضي، وتجاوزه، يمكن أن تكون له آثار مدمرة على الجوانب النفسية والاجتماعية للشخص وأسرته، بل، وتمتد الآثار الضارة إلى بقية أفراد العائلة، والأصدقاء. فالذي يتشاجر مع مديره، لن تتاح له فرصة العمل مرة أخرى، وبالتالي، سيفقد الفرصة الثانية للعيش الكريم، وستتأثر نفسيته، وتتولد لديه رغبات نفسية مدمرة كالرغبة في الانتحار، أو الانتقام من المجتمع الذي يرفض منحه فرصة أخرى لمواصلة الحياة. وبالطبع، فإن أسرته ستتأثر بسبب تعطله عن العمل، وتتزايد بسببها معدلات الفقر، وقد يندفعون أيضًا إلى مهاوي مجهولة.

مسائل أخلاقية
من الواضح أن الإنترنت، باعتبارها الأرشيف العالمي لكل تصرف يحدث على الشبكة، تتسبب في أضرار أكبر مما نعتقدها، فهي تتدخل بشكل مباشر في حياتنا، ويمكنها إلحاق، أو تسهيل الأمر للمجرمين الذين يريدون تدميرنا، ولكنها لا تحمي الحق في الخصوصية بشكل كامل، وقد يكون السبب أنها ليست تحت سيطرة جهات أو هيئات معينة، وأنها تخضع لمعايير قانونية مختلفة تبعًا للتشريعات السارية في كل دولة. كما أنها تخضع لشروط وعادات ثقافية واجتماعية تختلف من مجتمع لآخر، فما هو مقبول، ومسموح به في مجتمع، ويتاح على الإنترنت، يكون ليس مسموحًا به، وغير قانوني، وغير أخلاقي في دول أخرى، مما يضعنا أمام قضايا أخلاقية شائكة، ليس أقلها شأنًا حق الإنسان في نسيان ماضيه.

 

عن الكاتب

كلمات البحث:
أشرف شهاب

رابط دائم:
شارك

عصر المعلومات.. والحق فى نسيان الماضى

التعليق

  • تعرف على

    أفضل موسوعة عربية فى مجال التقنيات المعلوماتية في مصر والعالم العربي، وتقوم بنشر المعرفة المتكاملة والمستحدثة بكافة صورها حاليآ ومستقبلآ.

  • تابعنا على الفيس بوك

© 2014 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الاهرام