يا عمّ روح نام ! - لغة العصر
رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة               رئيس التحرير: نبيل الطاروطي

يا عمّ روح نام !


  

يا عمّ روح نام !

هبّ المنقرض منزعجًا من نومه، إثر كابوس مخيف، أيقظه مرعوبًا، مرتعش الأوصال، متجمد الأطراف، ذعرًا ورهبة. ضرب البطاطين الثقيلة بمقدمتى قدميه، وفزّ ناهضًا، وفى نيته أن يسارع إلى الوضوء، ليتهيأ لصلاة الفجر، التى اقترب موعدها.
 تسلل إلى الصالة، فغشى عينيه ضوء ساطع، أجبره على إغلاق حدقتيه مرغمًا. تلفّت حوله، فرأى ما كاد أن يلجم لسانه، لقد كان كل من فى البيت أيقاظًا، كلٌ فى غرفته، نظر إلى ساعة الحائط فى “ الريسيبشن”، فوجدها تقترب من الثالثة بعد منتصف الليل، فرك جفنيه متعجبًا، فتذكر: ما هذا؟ أليس الغد موعد بداية امتحانات نصف العام.. فلماذا الأبناء الثلاثة ليسوا الآن يغطون فى نوم عميق استعدادًا للامتحان؟ كيف سيمتحنون وهم مستيقظون هكذا حتى الآن؟ وااااامصيبتاه.. العيال بالتأكيد “ هايسقطوا” فى الامتحانات.. وسيضيع عليهم مجهود عام كامل.
أرعشه الغضب، ونال منه الرعب كل منال، فسارع إلى باب غرفة ابنته وطرقه بعنف صائحا: يا بنت.. أليس الغد امتحانك؟ قالت البنت بصوت متناوم: “ أيوه يا سى بابى عندى زفت امتحان.. فيه إيه؟ صرخ مبهوتًا: طيب ما بِتناميش ليه يا بنت؟ قالت وكلها ضجر: روح نام إنت.. ما لكش دعوة بيّا !
جُن جنون المنقرض، وفى تلك اللحظة، انفتح باب غرفة الابن الأكبر، وخرج الولد “ الهِلْف” منه مستنكرًا، وصاح: “ فيه إيه يا اخواننا.. عاملين دوشة ليه فى انصاص الليالى؟ قفز المنقرض كنمر هائج، فقبض على ياقة بيجامة الولد المسكين.. وهات يا توبيخ.. فإذا بالولد يبتسم فى حزن.. ويخرس خرسة الفول المدمس.
وعندها فوجىء المنقرض بالابن الأصغر، يخرج منكوش الشعر، مترنح الجسد، مُحمرّ العينين، مدمدمًا: “ مالك يا عم الحاج.. إيه اللى مصحيك لدلوقتى.. ما تخش يا عم تنام، العفاريت نامت” !
كان الصخب والضجيج قد بلغا كل مبلغ، حتى كادت العمارة كلها تصحو من النوم.. وهنالك هرولت الزوجة النعسانة إليهم، تتخبط فى حوائط البيت تكاد تنهار، خبطت صدرها وصرخت: مالك يا منقرض كفى الله الشر؟ صرخ المنقرض صرخة جعلت قِط المنزل يعدو جاريا فاختبأ تحت المقعد الوثير. قال المنقرض: تعالى شوفى يا هانم خيبة عيالك.. كل واحد ماسك موبايل ونازلين لعب ولا كأن الامتحانات غدًا.
عندئذٍ تقدمت البنت المفعوصة، وشبّكت يديها حول وسطها، كأى ست “ شلق” فى حارة شعبية، وزغرت لأبيها زغرة كاد معها بنطلون بيجامته أن يسقط، وصاحت فى وجهه: يا عم بابى.. إنت ليه موش عاوز تفهم؟ يا سيدى نحن لا نلعب بل نذاكر. اندهش الرجل، فسألها متعجبًا: وأين تلك المذاكرة وكل منكم منكب على موبايله، ويحتضنه فى صدره.. ويلاعبه ؟
تبادل الأبناء الثلاثة نظرات خبيثة فيما بينهم، وكأن لسان حالهم يكاد ينطق: “الراجل ده جاى منين بَس؟”.. وهنا تقدم الولد الكبير من أبيه، فهز رأسه، وهمس: يا أبى.. الدنيا تغيرت، وأيامنا غير أيامك، وليس تعليم اليوم كتعليم الأمس. قال المنقرض غاضبًا: يعنى إيه؟ رد الولد الكبير فى نبرة استخفاف: يا عم الحاج.. نحن الآن نذاكر ولا نلعب.. صرخ المنقرض: “ بتذاكروا على الموبايلات؟ جرى إيه يا ابنى.. إنت بتشتغلنى؟ شايفنى “ أهبل” قدامك؟
تقدمت البنت، وعيناها فى لون الدم من الغضب، ومدت الموبايل إلى وجه أبيها، حتى كاد الموبايل أن يخترق عينيه، ثم زعقت: “ بُص بنفسك وشوف.. إيه ده؟ يا بابى ده “تيكيست” مُرسل إلىّ من زميلة قبل لحظات، وها أنا أعمل له “ اسكان”.. وسأبدأ فى مذاكرته. أحس المنقرض بالخجل، وقال لنفسه فى شك: معقول أنا غلطان؟ هل هم يذاكرون فعلًا؟
أحست به الزوجة “ الدائخة”، وشعرت بالإحراج الذى يعانيه، فتقدمت منه، وسحبته من كُمّ البيجامة، ثم همست: “ تعال يا راجل تعال.. دايمًا تحرج نفسك.. خُش نام وسيب العيال تذاكر الله يهديك”. أراد أن يحتج فصرخ: طيب والنوم.. أليس من المفروض أن يناموا الآن ليستعدوا للامتحان؟
 ضحكت البنت المفعوصة- وقد تعاطفت مع أبيها- وتقدمت إليه فاحتضنته، ثم غردت كعصفور جافاه النوم: “ يا عم بابى.. النوم ده للكبار إللى زى حضرتك.. لكن احنا شباب.. ألم تسمع “الست أم كلثوم” تردد دائمًا “ فما أطال النوم عُمرًا” ؟ .. يالّا روح نام يا عم الحاج وسيبنا نشوف شغلنا الله يخليك !

عن الكاتب

كلمات البحث:
سمير الشحات

رابط دائم:
شارك

يا عمّ روح نام !

التعليق

  • تعرف على

    أفضل موسوعة عربية فى مجال التقنيات المعلوماتية في مصر والعالم العربي، وتقوم بنشر المعرفة المتكاملة والمستحدثة بكافة صورها حاليآ ومستقبلآ.

  • تابعنا على الفيس بوك

© 2014 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الاهرام