هل تؤثر الشبكات الاجتماعية في الهيبة والحصانة القضائية؟ مقالات اراء حرة - لغة العصر
رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة               رئيس التحرير: نبيل الطاروطي

هل تؤثر الشبكات الاجتماعية في الهيبة والحصانة القضائية؟


  

هل تؤثر الشبكات الاجتماعية في الهيبة والحصانة القضائية؟

جاء قرار مجلس القضاء الأعلى في جلسته المنعقدة، يوم الاثنين 9 يناير ، "بحظر نشر أية أخبار تتعلق بشؤون القضاء على  الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي،وأيا كانت طبيعتها أو القائمين عليها.،والتأكيد على إن مخالفة الحظر سيترتب عليه توقيع الجزاءات التأديبية الواردة في قانون السلطة القضائية أو إخطار جهات التحقيق إذا لزم الأمر."
ويكشف ذلك القرار عددا من التداعيات والتساؤلات حول فاعلية ومتطلبات تفعيل ذلك القرار ليس فقط في الوسط القضائي بل كذلك في الوسط الإعلامي وأوساط المستخدمين للشبكات الاجتماعية ، وطبيعة الحدود بين ما يعد داخلا في حرية الرأي والتعبير وبين ما يعد جريمة أو انتهاكا للخصوصية أو  أن  يدخل في اطار السب والقذف .بالإضافة الى كيفية الفصل بين أن يمارس مستخدمو الشبكات الاجتماعية دورا رقابيا على أداء السلطة القضائية وبين أن يتحول هذا الدور إلى أن يصبح تدخلا معوقا لعملها .
ويأتي ذلك بعد أن أصبحت الشبكات الاجتماعية تتناول شئون القضاء  ولإضفاء المزيد من حالة الجدل العام حولها ،و بظهور فوضى في  استخدام المنتسبين للقضاء  للشبكات الاجتماعية على نحو يضر بمهام عملهم ويعرض حياتهم للخطر ويسيء إلى السلطة القضائية   .
ويأتي ذلك أيضا مع زيادة عدد مستخدمي الشبكات الاجتماعية والانترنت والتحول الرقمي قي الأخبار على حساب النشر الورقي، وزيادة حجم تأثير الشبكات الاجتماعية في  المجتمع و تحولها كمصدر للأخبار  وكمادة خبرية للصحف الورقية والفضائيات وتهافت مقدمي ومعدي البرامج  الفضائية لمتابعه ما يحدث خلالها بغض النظر عن مصداقية تلك الأخبار مع سرعة مجال انتشارها .
وأصبحت الشبكات الاجتماعية تلعب دورا في وضع أجندة الرأي العام وبغض النظر عن مدى أولوية تلك القضايا لديه، ومن ثم غلب على التناول لبعض تلك الأحداث الطابع الفرداني والأحادي والاقصائي في تناول وجهات النظر الأخري المتعارضة .
ولعل الأكثر خطورة هو تلك الأخبار التي تتعلق بمؤسسة القضاء والتي يكون من شأن عملية انتشارها زعزعه الثقة بينها وبين المجتمع، وبدون المراعاة في عملية تناول المعلومات مهارات التعامل المهني ولا تعبر عن امتلاك الحس الوطني في عملية توجيه الرأي العام.
وبخاصة في ظل عملية النقل بين  ما هو خاص إلى ما هو عام  وما هو اختصاصي أو جوهري إلى تركه للمجال العام للنقاش والجدل بين غير المتخصصين وهو ما يعمل على المزيد من تشويه المعلومات واستنفاد الطاقات وخداع الرأي العام . وبخاصة إن تطبيق استخدام الشبكات الاجتماعية في المجال القضائي سواء على مستوى رصد الجرائم أو سير التحقيقات أو مراحل التقاضي أو إصدار الأحكام أو فتح المجال للتعليق عليها قد اضر بالسلطة القضائية وبخاصة مع صعوبة نشر حيثيات الأحكام أو الوثائق إلى العلن لما تحمله من أضرار للقضية ذاتها وفاتحة للضغوط على الجهاز القضائي ،وتعلقها ايضا بأضرار أمنية تتعلق بسلامة رجال القضاء في ظل حالة الحرب على الإرهاب ومحاكمات الجماعات التكفيرية  .
ويأتي ذلك إلى جانب عشوائية  تحول مستخدم الشبكات الاجتماعية إلى "قاض محتمل" ومن مصدري الأحكام دون روية مع سهولة فبركة المعلومات والصور والوثائق بل وقيام المتهمين في القضايا بشن حملات غسيل السمعة أو يشن حملات إعلامية مدفوعة للتأثير على توجهات الرأي العام بشأن قضية ما.
 أو عن طريق قيام الفرد دون دراية بالإضرار بسير التحقيقات عن طريق نشر فيديوهات أو وثائق على شبكات التواصل الاجتماعي.
 وحتى إن عملية حصر حالات انتهاك حظر النشر في قضايا بعينها يصعب أن تتم السيطرة عليها عبر الشبكات الاجتماعية بما يعطيها زخما اكبر من الصحف الورقية أو القنوات الفضائية .
وفي الواقع انه يجب أن يتم التفسير على عدة مستويات تتعلق بهذا الأمر يتعلق الأول منها بانخراط عدد من القضاة في استخدام الشبكات الاجتماعية وباستخدام أسمائهم الفعلية ومناصبهم القضائية وصورهم ومعلوماتهم الشخصية ، وهذا النوع كان أكثر خطرا حيث تم استخدام تلك المعلومات في استهداف رجال القضاء وتعرضهم للاغتيالات أو محاولة الاغتيال ، ومن جهة أخرى جاء عدم إدراك صاحب الحساب لحساسية ومقتضيات المنصب بنشر صور شخصية له وهو ما وفر مادة خصبة للهجوم على رجال القضاء وتحويل هذا التصرف من كونه عملا فرديا إلى توجه معادي للسلطة القضائية وتشكيكا في نزاهتها .
والجانب الأخر يتعلق بتناول أخبار القضاء والقضايا قبل أن يصدر القضاء حكمة وهو المعني أولا بها وهو ما أدى إلى خروج القضايا من أروقة المحاكم إلى رواق الشبكات الاجتماعية وهو ما اثر سلبا على تناول تلك القضايا بهذا الشكل حيث طغى على عملية التناول التضخيم وتداول المعلومات المغلوطة وتشويه السمعة .  
وعلى الرغم من أهمية دور المواطنين أو المستخدمين للشبكات الاجتماعية في مكافحة الجريمة إلا انه توجد عده محاذير تواجه تفعيل ذلك الدور ، ولعل من أهمها على سبيل المثال إن عملية إطلاق الفيديو هات او الوثائق على شبكات التواصل الاجتماعي يمكن أن يساعد مرتكبي الجريمة في التخفي أو الهرب أو تمويه الجريمة على النحو الذي يضر من سير التحقيقات ، ومن ناحية أخري إن عملية إطلاق الفيديوهات يمكن أن تلعب بها البعد الشخصي أو تعمد الواقعة أو محاولة تصفية حسابات شخصية أو نشر معلومات مضلله ، ويمكن أن يكون ذلك مدخل لانتهاك الخصوصية لبعض الأشخاص ، وقد تثبت التحقيقات براءة  من يتم  اتهامهم أو ظهورهم في الفيديو وهو ما يكون من الصعب بعد ذلك في إزالة الأضرار المادية والنفسية للمتهمين .
ويدفع ذلك إلى محاولة التوظيف الرشيد لدور الأفراد في مكافحة الجريمة عن طريق تعزيز دور الأفراد في التواصل مباشرة بينهم وبين الأجهزة الأمنية والعمل على حفظ سير التحقيقات والأدلة والتي تخدم في النهاية مكافحة الجريمة وتحمي استقلال القضاء وبخاصة إن تناول الإعلام  للقضية يعمل على الإضرار بها .    
ويكشف الأمر إن التعويل على نشر ثقافة مخاطر ذلك التناول الإعلامي بين المستخدمين للشبكات الاجتماعية من المهم حيث انه يرسخ الرقابة الذاتية ويساعد في مواجهة نشر الشائعات والمعلومات المضللة ،وما يزيد ذلك الأمر  وجود فراغ معلوماتي يمكن المواطن إن تصله المعلومات بشكل رسمي وسريع من الجهات الرسمية على نحو يقضي على الشائعات ،وأهمية تعزيز الجانب التشريعي لمواجهة التجاوزات من قبل العاملين  في السلك القضائي . و الفصل بين حرية الرأي والتعبير وبين أن تتحول تلك الحرية إلى تهديد لأمن المجتمع.
 وسيظل المخاطبون بذلك القرار  المتخذ من مجلس القضاء الأعلي بالدرجة الأولى هم العاملين في السلك القضائي ،ويدخل في إطار  الحفاظ على  حصانة العمل القضائي بحيث لا تتدخّل فيه أيّ سُلْطة ، و أن النظام يُطبّق بحقهم ولكن بإجراءات تضمن ألا يُفرض عليهم شيء يعود بإخلالهم في عملهم ، ويتضمن عدم محاباة أحد منهم لأي سُلطة أخرى. و أهمية الفصل بين السلطات والالتزام بالحيادية والنزاهة وتعزيز آليات الرقابة والتفتيش القضائي.وكل ما سبق وغيره حال وجودة سيعمل على توفير الحصانة والهيبة القضائية واتاحة بيئة عمل مثلى للتقاضي ،وتعزيز ثقة المجتمع  في القضاء وفي قيم العدالة والمساواة وسيادة القانون والدستور.

عن الكاتب

شارك

هل تؤثر الشبكات الاجتماعية في الهيبة والحصانة القضائية؟

التعليق

  • تعرف على

    أفضل موسوعة عربية فى مجال التقنيات المعلوماتية في مصر والعالم العربي، وتقوم بنشر المعرفة المتكاملة والمستحدثة بكافة صورها حاليآ ومستقبلآ.

  • تابعنا على الفيس بوك

© 2014 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الاهرام