الإنترنت.. بخيرها وشرها - لغة العصر
رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة               رئيس التحرير: نبيل الطاروطي

الإنترنت.. بخيرها وشرها


  

الإنترنت.. بخيرها وشرها

في 2008، أصدر أحد القضاة في نيوزيلندا حكمًا، يحظر على المواقع الإخبارية على الإنترنت هناك نشر اسمي رجلين يتم التحقيق معهما في جريمة قتل، ولا ينطبق هذا الحظر على الصحف الورقية والإذاعة والتليفزيون. وكان تبرير القاضي “دافيد هارفي” لهذا الحكم، أن هناك فارقًا كبيرًا بين الإنترنت وغيرها من الوسائط سابقة الذكر. فالمعلومات التي تنتشر “ورقيًا” بعيدًا بحكم طبيعتها، ولا تصل لكثيرين بحكم توزيعها، والمعلومات التي تنتشر “إذاعيًا وتليفزيونيًا” تذهب أبعد، وتصل لأعداد أكبر، لكنها أقصر عمرًا، وتنتهي حياتها تقريبًا بنهاية بثها. أما المعلومات التي تنشر عبر الإنترنت، فلا تعترف بأي من هذه القيود .
عندما عرفت البشرية الإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي، عرفت معها كل التغيرات والتأثيرات التي صاحبت الكتابة والطباعة والتلغراف والتليفون والإذاعة والتليفزيون _ مجتمعة، التأثير بالكلمة، والتأثير بالصوت، والتأثير بالصورة, وعلى نطاق أكبر، وإيقاع أسرع، وبطريقة أكثر تفاعلية, وأطول عمرًا، فآلاف الملايين من البشر في كل دول العالم، يستخدمونها في البحث عن المعلومات، ومتابعة الأخبار، وفي البيع والشراء, وفي التواصل مع الآخرين في أي وقت، وفي أي مكان, وفي التعبير عن الغضب والتمرد والضيق والاختلاف, وفي الحشد والتعبئة والثورة، وأحيانًا في لاشيء سوى التنقل من موقع إلى آخر، دون هدف واضح.
وبعض الدول والحكومات شرقًا وغربًا، راحت تستخدمها في تقديم بعض الخدمات لمواطنيها, وأيضًا في التجسس عليهم، ومراقبتهم، وفي البروباجندا، ونشر الشائعات، والأكاذيب، وحملات التشويه وتضليل الرأي العام – في الداخل وفي الخارج .

الإنترنت: لماذا هي مختلفة ؟
كل ذلك كان مقتصرًا على قلة تنتج ما تشاء من المعلومات والأخبار والمعارف, وكثرة تستهلك ما يقدم لها, وبعد الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، أصبح الجميع ينتج، والجميع يستهلك, فالكل يريد أن يكون مؤثرًا، ومسموع الصوت والرأي. معظم هذه العمليات والاحتياجات المعلوماتية والمعرفية والاجتماعية، كانت موجودة قبل ظهور الإنترنت, وكانت الكتب والصحف والراديو والتليفزيون تلبي الكثير منها بدرجات متفاوتة. لكن هناك ستة أمور أساسية تميز الإنترنت عن هذه الوسائل, وهذه الأمور أيضًا هي سر تأثيرها الكبير والمتزايد, والذي يمكن أن يساوي تأثير هذه الوسائل مجتمعة, بخيرها وشرها.
الأمر الأول: هو عنصر الوقت والسرعة: صحيح أن بعض الأحداث العاجلة والهمة، وأحيانًا النادرة، تلقى تغطية إذاعية وتليفزيونية سريعة.. بالطبع إن كانت لا تضر بأجندة حراس بوابات هذه الوسائط-إلا أن الطبيعي في هذا السياق، هو أن تدفق المعلومات من هذه الوسائط يتأخر ساعات، وأحيانًا يومًا كاملًا – في حالة الصحف – قبل أن تصل إلى المتلقي. أما في حالة الإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي، فتدفق المعلومات يبدأ تقريبًا في لحظة وقوع الحدث، أو بعدها بدقائق قليلة. فبعض المواقع الإخبارية، والنسخ الرقمية لبعض الصحف على الإنترنت، لم تعد بحاجة إلى انتظار وقت صدور نسختها الورقية في صباح اليوم التالي حتى تنشر ما حدث. ومن ناحية أخرى، ومع انتشار التليفونات المحمولة ذات الكاميرات عالية الجودة، والمتصلة بالإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي، لم يعد الأمر يحتاج أكثر من دقائق قليلة، حتى يتدفق تيار سريع من المعلومات والفيديوهات.
الأمر الثاني: هو أن الإنترنت تتيح إمكانية “تكييف وتفصيل” المحتوى جغرافيًا، ليتناسب مع القضايا، والمعلومات، والخدمات، التي تلبى احتياجات سكان منطقة ما، بصرف النظر عن حجمها، وعدد سكانها، وبتكلفة لا تكاد تذكر. والإنترنت تقدم أيضًا بعض الأدوات، التي تسهل على من يقدم هذا المحتوى متابعة القضايا، والاحتياجات ذات الأهمية لمنطقة من المناطق في وقت ما، فما عليه إلا أن يفتش جيدًا، وبصورة منتظمة في أرشيف عمليات البحث التي يتيحه موقع “جوجل” للجميع، بتفاصيلها الزمنية والجغرافية المختلفة .
الأمر الثالث: هو أن المعلومات والخدمات المتاحة على الإنترنت لا تعترف بالحدود الجغرافية، حيث يمكن لأي شخص متصل بالإنترنت في أي مكان أن يصل إلى هذه المعلومات، ويستفيد من هذه الخدمات. حتى في حالة قيام بعض الدول بحجب بعض المواقع “داخل حدودها الجغرافية”، تقدم بعض المواقع لمستخدمي الإنترنت قائمة بها تعرف بـ”البروكسي”، وهي عناوين رقمية يستطيعون من خلالها الدخول إلى المواقع التي تم حجبها، وكأنهم من دولة أخرى. وهناك مئات الآلاف من هذه العناوين بقدرات وسرعات مختلفة على شبكة الإنترنت.
الأمر الرابع: هو إتاحة الفرصة للتواصل بين المتخصصين في مجال ما، أو المهتمين بقضية ما، بصرف النظر عن أوامر الجغرافيا وقيودها .
صحيح أن هناك قنوات ومحطات وصحفًا ومجلات ودوريات متخصصة, إلا أن انتشارها والتفاعل بين المهتمين بالقضايا التي تقدمها محدود بصورة كبيرة, إذا ما قورن بالانتشار والتفاعل على ملايين المجموعات، والشبكات المتخصصة على شبكة الإنترنت. وقد استخدم الكثير من العلماء والباحثين في مناطق مختلفة من العالم، هذا التواصل السهل في تكوين مجموعات بحثية تضم المئات، للتعاون في حل كثير من المشكلات العلمية المستعصية، خاصة في مجال الفيزياء والرياضيات .
الأمر الخامس: وهو الأكثر تمييزًا للإنترنت عن غيرها من “أوعية” المعلومات والمعرفة، وهو إمكانية البحث السريع في المحتوى على شبكة الإنترنت، عن طريق استخدام أحد محركات البحث مثل “جوجل” و”بينج”، أو غيرها من محركات البحث العامة والمتخصصة. وتقنيات البحث في الإنترنت تتطور بصورة مستمرة, وهذا يسهل وصول المستخدم إلى ما يريد، وفي أقصر وقت. وبدون تقنيات مثل هذه, تفقد الإنترنت كثيرًا من أهميتها، وتصبح عملية البحث عن معلومات فيها كمن يبحث عن إبرة في كوم قش بحجم الكرة الأرضية.
الأمر السادس والأخير: هو خاصية التربيط، والتشبيك، التي تجمع المواقع، والصفحات على الإنترنت، في شبكة هائلة من المعارف والمعلومات. وبسبب هذه الخاصية، أصبحت عمليات التصفح والإبحار في الإنترنت أسهل وأسرع. ملف يشير إلى ملف، وموقع يشير إلى موقع, يتنقل بينها المستخدم, وكأنه يتنقل في دقائق بين مئات المراجع على أرفف المكتبات التقليدية. لم تعرف البشرية قبل الإنترنت وسيطًا للمعارف، والمعلومات، والتواصل، اجتمعت فيه كل هذه العناصر, بخيرها وشرها! مع الانتشار الواسع للإنترنت، عرفت البشرية أضخم إتاحة للمعلومات في تاريخها, وأيضًا أضخم تراجع في الإقبال على المكتبات, وعرفت التواصل عبر البريد الإلكتروني, وأيضًا قلة الخطابات التي تتعامل معها مكاتب البريد, وعرفت في السنوات الأخيرة التفاعل المستمر مع الآخرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي, وأيضًا قلة لقاءات الأصدقاء، والمعارف، وجها لوجه، وتحول العلاقات الاجتماعية إلى مجموعة من الأزرار! وتفاوتت ردود الأفعال لهذه الهزة التي أحدثها الإنترنت في العالم, بين متحمسٍ يراه خيرًا خالصًا, وناقدٍ يراه شرًا خالصًا, وآخرين يرونه خيرًا به بعض الشر، مثل باقي الابتكارات الكبيرة – وهم أغلبية, أو شرًا  به بعض الخير.
الإنترنت ووعود الجنة الرقمية
 في 25 فبراير 1995, نشرت مجلة “نيوزويك الأمريكية” مقالًا للكاتب “كليفورد ستول”، بعنوان “الإنترنت؟ كلام فارغ!. هذا المقال يلخص رأيًا كان سائدًا وقت بداية انتشار الإنترنت. هذا الرأي كان يرى الإنترنت شرًا لا خير فيه، وقد تنبأ “ستول” أن الإنترنت سوف تفشل في كل شيء، وسخر من وعود وأحلام المتحمسين للإنترنت بما أسماه “الجنة الرقمية”، حيث المكتبات الإلكترونية، وقواعد البيانات، والمعرفة، متاحة للجميع، وحيث المجتمع الافتراضي الذي يتمتع فيه الجميع بالتعبير عن آرائهم ومشاعرهم بحرية غير مسبوقة. وقال “كليفورد” إن الإنترنت سوف تفشل في أن تأخذ مكان الصحيفة الورقية، والكتاب الورقي، وسوف تفشل في أن تجبر الحكومات على أن تكون أكثر ديمقراطية، وسوف تفشل في أن توفر آلية مضمونة وفعالة لعمليات البيع والشراء، وسوف تفشل في أن توفر منابر “محترمة” للحوار والنقاش. فنحن لا نري في غرف الدردشة وغيرها غير التحرش، والتهديدات من مصادر مجهولة، حيث الجميع يصرخ ولا يستمع إلا القليل. وسوف تفشل في أن تقدم معلومات دقيقة وذات قيمة، فالإنترنت – والكلام لـ”ستول” – ما هي إلا قاعدة ضخمة من البيانات التي تنقصها الدقة والمراجعة .
وقال أيضًا، إن الإنترنت سوف تفشل في أن تكون جزءًا من العملية التعليمية، لأن ذلك سوف يكون مكلفًا جدًا، ويحتاج إلى تدريب مطول للمدرسين، وفوق كل ذلك سوف تحول هذه البيئة الافتراضية العلمية التعليمية إلى لعبة – نعم ممتعة للتلاميذ – ولكن لا يتعلمون منها شيئًا. وذكر “ستول” مجالات كثيرة سوف تفشل فيها الإنترنت، وأرجع ذلك إلى أن هذه “الجنة” يغيب عنها العنصر البشرى بلحمه ودمه، والتواصل مع البشر وجهًا لوجه، وأن في هذه الجنة تقف الشبكات والأجهزة جدرانًا تعزلنا عن بعضنا البعض، وأن غرف الدردشة لا يمكن أن تحل محل مقابلة الأصدقاء، وشرب فنجان من القهوة، والدردشة معهم وجهًا لوجه ! ومن المفارقات، أنه في 31 ديسمبر 2012، توقفت النسخة الورقية من مجلة نيوزويك – التي نشرت هذا المقال – عن الصدور بعد ما يقرب من 80 عامًا على ظهورها – وتم الاكتفاء بنسخة إلكترونية تنشر على الإنترنت، فتكاليف إنتاج النسخة الورقية تزيد، وتصل معها الخسائر إلى 40 مليون دولار, بينما التوزيع ومعه الإعلانات والأرباح تقل، والاشتراكات تنخفض من 3 ملايين إلى مليون ونصف. وما حدث لمجلة “نيوزويك” حدث لمجلات وصحف أخرى كثيرة، صغيرة وكبيرة، بين صحف أوقفت نسختها الورقية تمامًا، وأخرى قل توزيعها بصورة واضحة نتيجة لجوء الكثير من قرائها إلى الإنترنت لمتابعة الأخبار . وقد أثر كل ذلك سلبًا على صناعة الورق، والحبر، وكل الصناعات، والوظائف، وعمليات البيع والشراء المرتبطة بها. ويقول المتحمسون للإنترنت، إن هذا أمر يحسب لها لا عليها, فقد أنقذت بذلك حياة ملايين الأشجار كان يلزم قطعها لصناعة كل هذا الورق .
(وخربت أيضًا بيوت الآلاف من الذين كان قطع هذه الأشجار مصدر رزقهم: عمال ومصانع ورق.. إلخ  !

ويبقي الكلام
“إعلان استقلال العالم الافتراضي
سوف نخلق حضارة للعقل في العالم الافتراضي، ربما تكون أكثر إنسانية وأكثر عدلًا من العالم الذي خلقته الحكومات قبل ذلك”.
الشاعر الأمريكي “جون بيري باولو

 

عن الكاتب

شارك

الإنترنت.. بخيرها وشرها

التعليق

  • تعرف على

    أفضل موسوعة عربية فى مجال التقنيات المعلوماتية في مصر والعالم العربي، وتقوم بنشر المعرفة المتكاملة والمستحدثة بكافة صورها حاليآ ومستقبلآ.

  • تابعنا على الفيس بوك

© 2014 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الاهرام