فيسبوك.. «الشجرة المُحرمة» - لغة العصر
رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة               رئيس التحرير: نبيل الطاروطي

فيسبوك.. «الشجرة المُحرمة»


  

فيسبوك.. «الشجرة المُحرمة»

تعتبر التكنولوجيا، وعلى وجه الخصوص، وسائل التواصل الاجتماعى، من العوامل التى تساعد فى كسر التابوهات الاجتماعية مثل: الدين، والجنس، والسياسة، حيث أتاحت سهولة وحرية التواصل بلا حواجز، ففرضت على حياتنا قيما جديدة، وحولت فى طريقها حياة بعض الناس إلى جحيم كارثى نتيجة فقدان وتهدم القيمة الأسرية، والترابط العائلى والإنسانى فى شكله الواقعى الحى المعاش.. ولنا فى حكايتنا حياة!

نسرد عليكم حكاية وردت الى الدكتورة نهلة ناجى أستاذ الطب النفسى بكلية الطب - جامعة عين شمس


فيسبوك.. «الشجرة المُحرمة»

هذه يا سيدتى بعض العبارات التى تعبر عن واقع الحال الذى أصبحت أعانيه، وأتجرع مرارته، بعد أن عشت مع زوجتى الحبيبة “ليلى” عشرين عاما، كانت المودة والرحمة، الدعم والتكاتف خلالها من أولويات قواعد حياتنا الزوجية. بدأت قصتنا منذ سنوات الدراسة الجامعية. فقد تعرفت عليها  ضمن مجموعة من الأصدقاء، ولفتت نظرى منذ اللحظة الأولى، فوقعت فى غرامها، وأصبحت فتاة أحلامى. وعلى الفور، اعترفت لها بحبى، وبادلتنى حبا بحب، وكانت مشاعرنا الجميلة هو الوقود الذى ألهب حماسى للدراسة الجادة، حتى أنتهى من دراستى، وأبدأ فى تأسيس عش الزوجية. وفى البداية، كأى شاب وفتاة واجهتنا متاعب اقتصادية يمكن أن تعصف بأى علاقة حب، وتقضى عليها، لكنها كانت مثالا للحبيبة الصبورة الواعية التى استحقت منى كل الكفاح من أجل الفوز بالزواج منها.
وحتى لا أطيل عليكم، توجنا علاقتنا بالزواج . وشاء الله أن يرزقنا بالأبناء لتكتمل سعادتنا. وكبرت أسرتنا، وكبرت معها أحلامنا، وكبرت معها أيضا مسئولياتى، وأعبائى حتى ألبى لأبنائى متطلبات الحياة الرغدة. تحملت الأعباء راضيا، وعاهدت زوجتى أن أكون لها نعم الزوج كما كانت لى نعم الزوجة. ولم أكتف بعمل واحد، بل بحثت عن فرصة عمل إضافية، وواصلت الليل بالنهار، مستعينا بالله ثم بحب زوجتي. خصوصا، بعد أن كبر أولادنا، وأصبحوا فى السنوات النهائية من المرحلة الجامعية. وباختصار.. كانت حياتنا موضع حسد الجميع.. أو هكذا كنت أظن!
سارت الأمور على هذا المنوال، حتى أفقت صباح أحد الأيام على صدمة هائلة لم أكن أتوقعها حتى فى اسوأ كوابيسى.. فقد واجهتنى زوجتنى بطلب الانفصال دون أسباب واضحة أو مفهومة. ولم أجد ما يبرر هذا الطلب. فمن وجهة نظرى نحن نعيش حياة مثالية رغم أننى –يعلم الله- أتحمل أعباء تفوق طاقة البشر. حاولت معها بشتى الطرق، ولكنها أصرت، وأخبرتنى أنها لم تعد ترغب فى مواصلة الحياة معى بسبب الملل، وأنها لم تعد تشعر بكيانها ولا بالسعادة فى حياتنا التى تحولت على حد قولها إلى روتين ممل متواصل.
إزاء إصرارها، لم يكن لدى أى خيار سوى الاستجابة لطلبها، رغم أننى أحببتها وما زلت أحبها.. وفى الحقيقة فإن حبى لها كان هو السبب الوحيد الذى دفعنى للاستجابة لطلبها، لأننى اعتقدت أنها أزمة عابرة، وأنها سرعان ما ستعود إلى رشدها. لبيت لها رغبتها، علها تكون فترة مؤقتة نتيجة ملل أو روتين أرق عليها ثباتها ودعمها لأسرتنا.
فى ظل الأزمة – الصدمة، بدأت أستعيد شريط الذكريات حتى أحاول أن أجد ما يبرر موقفها.. أتذكر أننى فى بعض الأوقات كنت قد بدأت أشعر ببرودة بيننا، خلافات متكررة ولكنها كانت بسيطة، عدم تفاهم على غير العادة، نفور عاطفي، وانشغال زوجتى الدائم بموقع فيسبوك، حتى كاد الهاتف يصبح عضوا من جسدها من كثرة التصاقها به. تذكرت تلك اللحظات، التى كنت أفسرها بأنها من طبيعة الحياة الزوجية، وأن أى حياة يمكن أن يصاب فيها أى طرف بملل أو برود مؤقت.. وفسرت تلك المواقف مرة أخرى على أنها مراهقة متأخرة.. لأننا تزوجنا صغيرين لم تتفتح أزهارنا بعد. قلت لنفسى.. ستمر الأزمة بسلام.. لكنها مرت على جثتى وتركتنى بلا هوية!
قبل أن أتركها لتحقق رغبتها فى البعد واستئجار شقة لتعيش فيها حتى تتعود على العيش وحدها كما ذكرت لي، كان الفضول يحطم جدران قلبى حتى كاد أن يسقط ويسقطنى معه! ورغم كل محاولاتى أنا والأبناء وتوسلاتنا التى لا تتوقف بمراجعة قرارها مرة أخرى حتى لا تهدم ثلاثة كيانات  فى لحظة، لم تهدأ. أصبح قلبها قاسيا لا يلين. ابنتنا “سارة” كانت مخطوبة وقعت فى مشكلة هى الأخرى بسبب طلب والدتها الانفصال.. وقال لها خطيبها “محمد” المثل الشعبي: “اكفى القدرة على فمها تطلع البنت لأمها”!.  أى أن كل ما تقوم به الأم “ليلى” سينسحب مباشرة على سلوك وأفعال الابنة “سارة” من وجهة نظره، ونظر أسرته، فهى الأم التى ربت وغذت القيم والمثل التى عليها يبنى الأبناء مستقبل أسرهم. والأم هى التى تهدم بيتها وتشرد أبناءها دون رحمة.
تعلمت أن الزواج من أقوى الدوافع التى يتعلم الإنسان من خلالها ما لم يتعلمه فى مدرسة الحياة. قررت أن أكشف السبب الحقيقي وراء قرار زوجتى. كنت أعلم أن السر يكمن فى الهاتف. كم هو مؤلم وقاسى تحولك فى لحظة سحرية يسرق فيها الهاتف روحك ليعيش بها. تذكرت مأساة الدكتور فاوست الذى باع روحه للشيطان مقابل امتلاك المعرفة، والنتيجة هى خسارة دكتور فاوست وخسارتي. لقد بعت حياتى المتبقية مع زوجتى للهاتف عندما اكتشفت أن زوجتى على علاقة بآخر، وأن العلاقة تطورت من كلام فى الحياة اليومية العادية إلى العلاقة الحميمة بينهما. لقد شعرت أن الهاتف وفيسبوك كتبا لحظة النهاية!
عشرون عاما ليست بالهينة لأتخلى عنها بسهولة، جئت لك وكلى أمل فى العلاج باحثا عن وجود خلل نفسى يمكن معالجته لأتبعه بغفران يداوى ما انكسر، ويعود بالحياة كما كانت. لكن ما يفجعنى أنها لم تترك فرصة حقيقية لأتمكن من الغفران. لقد مررنا بكل دوائر الاختلاف التى من الممكن أن يتعرض لها أى زوجين فى حياتهما الزوجية. واستطعنا تجاوزها والمرور منها كراما. لكن هذه المرة تركتنى وحدى وأصبحت هى مشكلتى. لا أعرف هل أطوى صفحتها أم أنه من واجبى التدخل لمحاولة إنقاذها.
سيدتي.. يساورنى شك قاتل، ولدى دلائل مؤكدة بنسبة كبيرة أن زوجتى خانتنى مع آخر، وأنها أقامت معه علاقة جنسية وهى على ذمتي. لقد راقبت “فيسبوك” الخاص بها ولاحظت من التعليقات تكرار لاسم معين، ترددت على شقتها التى تسكن فيها خلسة، وراقبتها لعدة أيام.. وعرفت أن نفس الشخصية اعتادت على التردد على الشقة. بعدها قررت أن الطلاق هو الحل الوحيد للحفاظ على ما تبقى من كرامتى وكرامة أولادي. والآن.. أنا محطم نفسيا.. وابنتى منفصلة عن خطيبها.. وابني”أحمد” مصدوم نفسيا، وهو الذى يدرس الطب ومعروف عنه التفوق والتميز، لدرجة أنه فى لحظة غضب قرر أنه سيقتلها!

ولك يا سيدى أقول:
لقد استحوذت التكنولوجيا على حياتنا حتى سلبتنا أجمل  ما فى الحياة.. “الأسرة” و “الأبناء”. الزوجة سقطت ضحية للعبة الخيال البديل للواقع، وراحت تبحث عن سبل جديدة لإحياء رغبات قتلها الروتين اليومى للحياة. ونسيت أن الاعتيادية هى سمة بشرية، وأن التمرد على هذه السمة أيضا من صفاتنا نحن البشر، وإلا لما كان لآدم وحواء أن يتمردا على الجنة عن طريق الحلم بعالم ما بعد الأكل من الشجرة المحرمة. وماذا بعد؟ لا شيء.. هبطا إلى الأرض بعد أن كانا فى السماء. وهذا يشير إلى خطأ اجتماعى انتشر بصورة مخيفة نتيجة لعلاقة البعض بالتقنية بشكل عام. أنت مشغول طوال الوقت بتلبية المتطلبات المادية للأسرة، وربما لا تجد الوقت الكافى لرعاية الأسرة وتلبية متطلباتها المعنوية. الزوجة بدورها أهملت واجباتها نحوك ونحو الأبناء لصالح “فيبسبوك” واندفعت فى علاقة بديلة اعتمدت فيها على الخيال الذى أزاح حياتها الأسرية بالكامل ليتشكل هو بصورة واقعية جديدة.
والنتيجة هى إيذاء الإنسان المسلوب الإرادة لنفسه ولمن يحب دون أن يدرك، ثم يندم على قراره لاحقا. لكننى يا سيدى لا يمكن أن أحمل الزوجة المسئولية وحدها. أين كنت أنت عندما عرفت ذلك الرجل.. وتعرفت عليه وقابلته حتى خانتك كما تقول؟!،
الأب أو الزوج كيان كبير يحتمى الجميع داخله من كل سلبيات العالم الهدامة، وأولها التكنولوجيا التى أصبحت تهدد حياتنا الأسرية كالحيوان اللطيف الذى ندخله بنفسنا إلى بيوتنا ومن ثم فى لحظة لا يعلم الله متى تكون يتحول لوحش عظيم. كنت مثالا للزوج الصالح، ولكنك أغفلت أو تغافلت عن احتياجات زوجتك التى وهبتك عمرها وشبابها واهتمامها الذى وهبته لك ولأولادكما. متى كانت آخر مرة سألت نفسك فيها إنها قد تحتاج لك أنت وحدك.. لا تحتاج إلى الأموال ولا الأبناء ولا حتى للاستقرار الروتينى الممل، بل إلى الشعور بالحنان والأمان بعيدا عن كل الأشياء التى استهلكتها طوال الأعوام السابقة؟
اعتقد يا سيدى أن الوحيدة التى دفعت الثمن هى الزوجة بانقلابها على ذاتها التى كرهتها وبحثها عن عمرها الضائع فى أحضان رجل غريب. هى بالفعل تحتاج إلى مساعدة، وأنت تعلم ذلك جيدا حتى وإن كان بدون وعى وإلا لما كنت بادرت بالمجئ بحثا عن علاج ومساعدة نفسية، لأن ضميرك شخص الحالة بشكل دقيق واعترف بشكل غير مباشر بالذنب. الزواج ليس الأبناء فقط ولا الحياة المرفهة ولا نظرة الناس لنا. الحياة الزوجية سكن ورحمة ومودة قبل كل شيء، وإلا لما أكد القرآن الكريم على حقيقة أن: “المال والبنون زينة الحياة الدنيا”.
وكما غفر الله لآدم وحواء.. الحل الوحيد هو الغفران غير المشروط إذا استطعت إليه سبيلا!

 

عن الكاتب

كلمات البحث:
شيماء الشبراوى

رابط دائم:
شارك

فيسبوك.. «الشجرة المُحرمة»

التعليق

  • تعرف على

    أفضل موسوعة عربية فى مجال التقنيات المعلوماتية في مصر والعالم العربي، وتقوم بنشر المعرفة المتكاملة والمستحدثة بكافة صورها حاليآ ومستقبلآ.

  • تابعنا على الفيس بوك

© 2014 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الاهرام