من يصنع الغد؟.. إعادة قراءة رؤية قديمة لـ"أبو علم الإدارة"! - لغة العصر
رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة               رئيس التحرير: نبيل الطاروطي

من يصنع الغد؟.. إعادة قراءة رؤية قديمة لـ"أبو علم الإدارة"!


  

من يصنع الغد؟.. إعادة قراءة رؤية قديمة لـ"أبو علم الإدارة"!

خلال مراجعتي لبعض الأوراق القديمة , استوقفني مقال هائل كنت أحتفظت به أثناء دراستي في جامعة كليرمونت للدراسات العليا والتي سميت مدرسة الإدارة فيها باسم أشهر أساتذتها وهو بيتر دراكر الذي انطلق بالمفاهيم الأولية التي كانت تتشكل لعلم الإدارة ووضع المبادئ والأسس التي أطلقت العنان لهذا العلم ليصبح أحد أهم إسهامات القرن العشرين في صناعة مستقبل البشرية , ذلك بعدما أضافت  مدرسة الاقتصاد عنصر الإدارة كعنصر رابع إلى عناصر الإنتاج التي تشكلت في عصر الزراعة وأقتصرت  نتيجة لذلك علي : الأرض , والعمل , ورأس المال !!!
المقال عندما خرج للوجود كان يبدو وكأنه تحد لعصره حيث لم تكن قوي الثورة المعلوماتية قد اكتسبت هذا الزخم الهائل , لكنني اليوم وأنا أعيد القراءة , اكتشفت فعلا أن مفهوم صناعة الغد الذي يسود المدرسة الأمريكية الأن له جذور قديمة تحتاج إلي إعادة التعرف عليها .
وإذ تمثل علوم المستقبليات أحد أهم المجالات التي تشغل بال الكثيرين منذ بدء الخليقة ويجري الناس دائما خلف فكرة استشراف المستقبل, بعضهم باستخدام قوي ما وراء الطبيعة والبعض الأخر بمحاولة استخدام منهجيات وأساليب علمية.  فإن بيتر دراكر Peter Drucker - أبو علم الإدارة لم يكن - من مدرسة التنبؤ بالمستقبل أو حتى محاولة استشرافه بالطرق والأساليب العلمية ولكنه كان أحد رواد مدرسة صناعة هذا المستقبل كبديل عن انتظاره أو توقعه  ، واعتبر السؤال: ما هو الوضع الذى سيكون عليه الغد ؟ سؤالاً خاطئًا وأن  السؤال الصحيح هو: ماذا علينا أن نفعل اليوم حتى نصنع الغد ؟
أدرك دراكر بفكر ثاقب مضمون القوى غير السوقية وما يمكن أن تحدثه من تغيرات علي الساحة العالمية وقدم لأثار هذه القوي  في كتابيه : مجتمع ما بعد الرأسمالية والإدارة فى زمن التغير الكبير ، حيث شرح فيهما كيف أن القوى غير السوقية شكلت القوى المحركة الأساسية للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية .
رسم دراكر  بريشة عريضة لوحة اجتماعية تجمع عشرات المحركات والمؤثرات التي سوف تغير حركة وشكل الحياة بشقيها الاقتصادي والاجتماعي  وركز في لوحته الفنية علي  أربعة محركات رئيسية هي : (1) تكنولوجيا المعلومات ، (2) تغير دور الشركات العملاقة ، (3) التحديات الاجتماعية ، (4) القوى العالمية ، وكان حريصا على بيان أن اختيار هذه المحركات الأربعة لا يزيد في  أهميته على ضرورة إدراك الاستمرارية وتغييرات الاتجاهات في داخلها .
يرى دراكر أن عملية الانتقال من عصر الصناعة والذي أفرز النظام الرأسمالي إلي عصر المعلومات والمعرفة والذي سينتج بدوره نظاما اقتصاديا واجتماعيا جديدا هي عملية جارية وتتسارع وتيراتها عاما بعد عام حيث إننا ودون أن ندري نشهد تغيرا للمسرح الصناعي حيث  تتباعد الصورة الصناعية القديمة للتصنيع أكثر فأكثر وتصبح غير مناسبة ، هذه الصورة التى كانت تتميز بعمليات مادية وملموسة لـ «صنع وتحريك» الأشياء القائمة علي مؤسسات تتسم بالضخامة حتى ولو لم تهتم بالفخامة (تذكر الصورة التقليدية للمصنع كمبنى ضخم تعلوه المداخن التي تنفث دخانا كثيفا إلي السماء). تلك الصورة القديمة التي تمثل قمة الرأسمالية تتبدل الآن فحقيقة مجتمع ما بعد الرأسمالية هى أن المفاهيم والأفكار غير الملموسة أصبحت هي  القوة التى كانت تحرك عملية التصنيع وتغيرت الصورة التقليدية للمصنع لتحل محلها إحدى العلامات التجارية التي تصممها كبري شركات الدعاية والإعلان بألوان وتشكيلات خلابة بل والغالب عليها أنها لشركات بلا مصانع ولا تعرف المداخن والأغلب أنها شركات متخصصة في صناعات جديدة لم تكن موجودة عند ازدهار الرأسمالية وبالطبع فإن أشهرها هو صناعات المعلومات.
 أصبحت المعلومات لأول مرة فى التاريخ وفيرة بعد أن كانت نادرة .. وعلنية بعد أن كانت خفية ، ورخيصة بعد أن كانت غالية ، وقامت حركة الوظائف على الاختيار بدلا من الولادة ، وزادت أهمية شبكة علاقات المعرفة على أهمية أمر التسلسل الوظيفى ورقابته ، وكان تأكيد صلاحية المعلومات تسمو على مجرد البحث عن «المزيد والمزيد» من المعلومات .
رد على ذلك أن الحاجة كانت قليلة إلى الاختصاصات المحددة فى مجتمعات الماضى الفقيرة بالمعلومات ، وكان التركيز على المعرفة باعتبارها استجابة من أجل تقديم النتائج أقل أيضا . وصف دراكر الحقيقة الجديدة بأنها حقيقة كان يتعين فى ظلها أن تكون للمعرفة – كما نسميها اليوم – تطبيقات واستخدامات وإلا اعتبرت عديمة الفائدة ، ووضع لهذه الظاهرة عنوان «التحول من المعرفة إلى المعارف» كانت هذه العبارة تعنى ضمنا القناعة باستحالة الإعلان – فى ظل الاعتماد على التطبيق – عن سيادة أى نموذج من المعرفة بعينه على الأخر : « ليس هناك معرفة تسمو على معرفة « والحكم يتم على كل معرفة بمدى مساهمتها بالوظيفة العامة وليس بسمو مكانتها أو تدنيها المتأصل فيها» فلو أن شخصا على سبيل المثال يعانى من ألم فى ظفر أحد أصابع قدمه لما تمكن جراح الدماغ من مساعدته بشيء .
أوضح دراكر أن النجاح المبكر جداً يمكن أن يكون مفسدة للشخص ومدمراً له ، وشعر أن هذا كان بصورة خاصة مدمراً العديد من الشركات العملاقة فى سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية الذين اكتشفوا أن أداءهم الاقتصادى الناجح عدل السلوك الذى أوجده أو جعل هذا السلوك قديماً ، ولاحظ أيضا أن كل تميز فى معرفة ذاتية سيصبح عاجلاًَ أم أجلا غير مناسب بسبب المجتمع الراديكالى والتحولات الاقتصادية فى البيئة ، كما المح فى الوقت نفسه إلى إمكانية أن تستجلب من مصادر أخرى فى المستقبل جميع الأنشطة التى لم تكن من قدرات الشركة التنافسية الذاتية ، ونتيجة لذلك فإن الحكمة القائلة أن الفضل العظيم للحجم الكبير يكمن فى قدرة هذا الحجم على العيش الطويل لم تعد صالحة . لقد ذبل هذا الاعتقاد بديمومة المؤسسة بفعل رياح التغيير العاتية . « الشركات التى تم إنشاؤها ذات يوم لتدوم كالأهرامات هى اليوم أشبه بالخيام».
الأداء المتميز لم يعد دلالة على الحجم الهائل ، بل إن الشركات الكبرى غالباً ما تشبه الديناصورات العاجزة عن التلاؤم مع طلبات المنافسة الحديثة . قلت الحاجة إلى الانتقادات الهرمية الوظيفية لنظام إعطاء الأوامر وممارسة الرقابة الذى كانت مستوياته العديدة تتيح ضجة أكثر من النتائج لأن المعرفة كانت فى طريقها إلى أن تصبح مسئولة أكثر . استنتج دراكر بالطبع أن المجال سيكون مفتوحاً على الدوام لعدد قليل من الشركات الجبارة ولكن الشركات المرنة ذات الحجم الأصغر والمتوسط أفقدت الشركات الكبرى هيمنتها بتفوقها عليها فى أداء النمو الاقتصادى وإيجاد الوظائف .
وللحديث بقية ....

عن الكاتب

الرئيس الأسبق لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء

كلمات البحث:
د. رأفت رضوان

رابط دائم:
شارك

من يصنع الغد؟.. إعادة قراءة رؤية قديمة لـ"أبو علم الإدارة"!

التعليق

  • تعرف على

    أفضل موسوعة عربية فى مجال التقنيات المعلوماتية في مصر والعالم العربي، وتقوم بنشر المعرفة المتكاملة والمستحدثة بكافة صورها حاليآ ومستقبلآ.

  • تابعنا على الفيس بوك

© 2014 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الاهرام