التعليم الإلكترونى.. جامعات بلا أسوار! مقالات اراء حرة - لغة العصر
رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة               رئيس التحرير: نبيل الطاروطي

التعليم الإلكترونى.. جامعات بلا أسوار!


  

التعليم الإلكترونى.. جامعات بلا أسوار!

يشهد العالم اليوم ثورة هائلة فى تقنية المعلومات والاتصالات، بدأت شرارتها فى العقود الأخيرة من القرن العشرين، لتبلغ ذروتها منذ مطلع الألفية الجديدة وحتى الآن.
لقد كان للتطور التقنى الكبير فى تكنولوجيا المعلومات أثر كبير على كافة مناحى الحياة المعاصرة، توجه ظهور شبكة الإنترنت، والتطور الكبير فى تقنيات الاتصال وصولا إلى الهواتف الذكية وتطبيقاتها، وتطوّر تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي.
وقد نال قطاع التعليم نصيبا كبيرا من هذا التطور المتسارع، ونجح فى مواكبته سواء بشكله التقليدى المعروف كالمدارس والمعاهد والجامعات ومراكز الأبحاث، أو بشكله الجديد المتمثل فى التعليم عن بعد والتعليم الافتراضى الإلكتروني، فقد استفادت المدارس والجامعات التقليدية من تكنولوجيا المعلومات فى تطوير العملية التعليمية وأساليب وطرق التدريس، بالاعتماد على الوسائط المتعددة، وشبكة الإنترنت، والبرامج المكتبية، ووسائل العرض الإلكترونية ضمن الفصول الدراسية، بشكل يعزز المناهج ويساعد فى إيصال الأفكار بطريقة تفاعلية.
أما التعليم عن بعد، فقد كان الأكثر مواكبة لتقنية المعلومات والاتصالات، فهذا النوع من التعليم الذى بدأ من البريد العادى (التعلم بالمراسلة)، استفاد فيما بعد من تقنيات الاتصال فى كل مرحلة جديدة من مراحل تطورها، بدءا من الاعتماد على الإذاعة والأشرطة السمعية وقنوات التليفزيون وأشرطة الفيديو، والأقراص المدمجة، وصولا إلى الاعتماد الكلى على التواصل الإلكترونى من خلال شبكة الانترنت، فيما يعرف باسم التعليم الإلكترونى أو التعليم الافتراضي.

التعليم الإلكتروني.. التعريف والميزات
يعتبر التعليم الإلكترونى نمطا متطورا من التعليم عن بعد، توظّف فيه وسائل الاتصال الحديثة، ويعتمد بشكل أساسى على خدمات الشبكة العنكبوتية، تستخدمه الجامعات والمراكز التعليمية لتتيح للجميع الاستفادة من برامجها، والحصول على تأهيل علمى ومهنى يرفد المجتمع بكوادر جديدة، واختصاصات جديدة.
وتعتبر الجامعات الافتراضية من أكثر صروح التعليم الإلكترونى أهمية، حيث يقصدها أعداد كبيرة من الطلبة الذين لم تتح لهم فرص الدراسة فى الجامعات التقليدية، إما بسبب عامل العمر، أو لأسباب تتعلق بالبعد المكانى وتكاليف الدراسة وعدم قدرة الجامعات التقليدية على استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب، أو عدم وجود اختصاصات مناسبة.
ويصف الدكتور منصور العور، رئيس جامعة حمدان بن محمد الذكية فى دولة الإمارات العربية المتحدة، فى تصريح له لصحيفة “الخليج” التعليم الإلكترونى بأنه: “مرحلة متقدمة من مراحل تطور التعليم العالي، وهو مفهوم مختلف تماما عن مفهوم الجامعات التقليدية، فضلا عن كونه مرحلة أكثر تطورا من نموذج التعليم عن بعد، إذ إنه يستند إلى فلسفة توفير التعليم للجميع وإتاحة المجال لمواصلة التعلم مدى الحياة وفق أعلى معايير المرونة والكفاءة والمصداقية، ويقوم التعليم الإلكترونى على التعلم عبر كافة الوسائط الإلكترونية المتاحة، ما يوفر المجال للارتقاء بمستوى المعرفة لدى الأفراد”.
فالتعليم الإلكترونى يتجاوز حدود الزمان والمكان، كما أنه يتميز بمرونة كبيرة فى الدراسة من حيث إعادة سماع المحاضرات فى أى وقت، دون حاجة لتواجد الطالب والمدرس فى وقت واحد، إضافة إلى توفير المال، سواء من حيث الرسوم الدراسية، أو تكاليف السفر والانتقال، كما يمنح التعليم الإلكترونى الفرصة لتمكين أصحاب الاحتياجات الخاصة والإعاقة من الالتحاق بالصفوف الدراسية ومتابعة تحصيلهم العلمي.
ومن ناحية المناهج الدراسية، فإن للتعليم الإلكترونى سمات مميزة فى هذا المجال، فالمناهج الإلكترونية على عكس التقليدية، قابلة للتحديث المباشر ومواكبة تطورات العصر المتسارعة، ومرنة بحيث يمكن تخصيص المواد وتطويعها لتناسب فئات أكثر من تلك التى تغطيها المناهج التقليدية، عدا عن توفير تكاليف الطباعة، والهدر الناتج فى ذلك عند الرغبة بتطوير وتعديل المناهج المطبوعة.
كما يختصر التعليم الإلكترونى الكثير من الوقت فى العملية التدريسية، كالتسجيل والامتحانات وإصدار النتائج، بعيدا عن روتين العمل الإدارى والورقي، من خلال اعتماد الكثير من الجامعات الافتراضية على منصات برمجية تتيح للطالب الولوج إليها باستخدام حساب خاص يتم من خلاله الحصول على المحاضرات والإجابة على الواجبات وإرسال ومناقشة حلقات البحث، وإجراء الاختبارات الإلكترونية، وتقييم الطلاب، وإمكانية التواصل الفورى بين المدرس والطالب باستخدام خدمات الدردشة الكتابية والصوتية والمرئية، ومناقشة الدروس بين الطلبة فى منتديات مخصصة، إضافة إلى إمكانية توفير مكتبة إلكترونية تضم الكتب والمراجع والملفات الصوتية ومقاطع الفيديو.

تحديات التعليم الإلكتروني
يواجه التعليم الإلكترونى تحديات كبيرة، مثل أى فكرة جديدة أو مفهوم جديد يقتحم المجتمع، فهذا النمط من التعليم جاء منافسا لإرث سنوات طويلة من العملية التعليمية بشكلها التقليدى فى مدارس وصفوف حية، يكون فيها المعلم وجها لوجه مع طلبته منذ اليوم الأول للدراسة وحتى انتهاء الامتحانات وانتهاء الدراسة.
لعل أبرز هذه التحديات الصورة السلبية التى ينظر إليها البعض تجاه هذا النمط من التعليم، وتجاه خريجيه، الذين قد يصنفون على أنهم أقل كفاءة من خريجى الجامعات التقليدية، سواء فى الدرجات الأكاديمية أو فى سوق العمل، عدا عن صعوبة معادلة الدرجة الأكاديمية والاعتراف بها فى كثير من الدول.
فمن ناحية الاعتراف الأكاديمى لايزال الكثير من الجهات المسئولة فى بلداننا العربية ترفض الاعتراف بشهادات التعليم عن بعد أو التعليم الإلكتروني، إما لغياب التشريعات، أو لعدم وجود معايير لتقييم جودة التعليم الإلكترونى من خلال مؤسسات متخصصة، وبالتالى صعوبة الحصول على الاعتراف الدولي.
كما أدى ظهور أكاديميات وهمية تهدف إلى الخداع والاحتيال، عن طريق منح شهادات دراسية عن بعد دون الحاجة إلى متابعة دروس أو تقديم امتحانات، ودون وجود معايير أو حد أدنى للقبول، إلى ترسيخ صورة سلبية عن التعليم الإلكترونى بشكل عام.
وفى دراسة بعنوان: “القبول المجتمعى للدرجات العلمية عبر الإنترنت فى العالم العربي: شواهد من دولتين”، أجراها الباحث علاء صادق، من جامعة السلطان قابوس بسلطنة عمان، بهدف التعرّف على مدى قبول المجتمع للدرجات العلمية الإلكترونية، وكذلك تحديد العوامل المؤثرة على هذا القبول فى دولتين عربيتين: مصر وسلطنة عمان، من خلال تصميم واستخدام استبيان وتطبيقه على عينة شملت 479 مشاركا من الدولتين من عدة قطاعات مختلفة، أوضحت نتائج الدراسة، أن الانطباع العام لدى المشاركين يؤكد على أن نظرة المجتمع لمخرجات التعليم عن بعد أقل بكثير من نظيرتها لمخرجات التعليم التقليدى من حيث الجودة والمصداقية. كما أوضح المشاركون أيضا، أن عوامل مثل معدلات وشروط القبول فى جامعات التعليم الإلكتروني، وجودة المخرجات، والصرامة الأكاديمية هى من أهم العوامل التى تؤثر على القبول المجتمعى لمخرجات التعليم عن بعد.
بالمقابل، فقد أظهرت الدراسة المذكورة أيضا، موافقة نسبة كبيرة من المستطلعة آراؤهم على أن التعليم الإلكترونى يلعب دورا فى حل كثير من المشكلات التعليمية، ويزيد من فرص الوصول للتعليم والتدريب فى العالم العربي.

مستقبل واعد
على الرغم من التحديات والمعوقات وحداثة العهد نسبيا بالتعليم الإلكتروني، فإن هذا النمط من التعليم حقق قفزة كبيرة خلال فترة قصيرة، وأتاح الفرص لفئة عريضة من فئات المجتمع لمتابعة تحصيلها العلمى خارج أسوار الجامعات التقليدية، وتوفير التعليم المستمر لكافة الفئات العمرية والتغلب على الصعوبات، وتجاوز عقبات القبول فى الجامعات الحكومية، أو التكاليف الباهظة فى الجامعات الخاصة. كما أدى التعليم الإلكترونى إلى تزويد فئة كبيرة من المتعلمين بالمعارف والاختصاصات الحديثة التى تخدم عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتطوير البحث العلمي، ورفد سوق العمل بكوادر مؤهلة.
إن تطوير التعليم الإلكترونى واعتماده فى منطقتنا العربية يتطلب جهودا كبيرة للتعريف بهذا النمط، والاستفادة من ميزاته المتقدمة فى خدمة العملية التعليمية والبحث العلمى وتأهيل المختصين، ومحاربة المؤسسات التعليمية الوهمية وتجار الشهادات الدراسية، ووضع أسس وتشريعات لضبط جودة التعليم الإلكترونى والاعتراف به واعتماده أكاديميا ومهنيا، لتشجيع الآلاف من الطلبة للالتحاق به والاستفادة منهم فى عملية التنمية.

عن الكاتب

كلمات البحث:
زاهر هاشم

رابط دائم:
شارك

التعليم الإلكترونى.. جامعات بلا أسوار!

التعليق

  • تعرف على

    أفضل موسوعة عربية فى مجال التقنيات المعلوماتية في مصر والعالم العربي، وتقوم بنشر المعرفة المتكاملة والمستحدثة بكافة صورها حاليآ ومستقبلآ.

  • تابعنا على الفيس بوك

© 2014 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الاهرام