مواقع التواصل الاجتماعى.. تفاعل أم إدمان؟! أخبار وتقارير تقارير - لغة العصر
رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة               رئيس التحرير: نبيل الطاروطي

مواقع التواصل الاجتماعى.. تفاعل أم إدمان؟!


  

مواقع التواصل الاجتماعى.. تفاعل أم إدمان؟!

فى إطار فعاليات المؤتمر الوطنى السادس للشباب الذى عقد فى العام الماضى 2018، تطرق الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى قضية اجتماعية فى غاية الخطورة، وهى ارتفاع معدلات الطلاق فى مصر، والتى وصلت إلى 44 %. وأشار إلى أن مصر حققت المركز الأول عالميا فى نسبة الطلاق، حيث كشفت آخر إحصائية للجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء عن وجود نحو 198 ألف حالة طلاق خلال عام 2017، بزيادة قدرها 3.2 % على عام 2016.

ولا شك أن المجتمع المصرى يعانى من مشكلات اجتماعية خطيرة، خاصة مع تغلغل التكنولوجيا الرقمية بجميع أشكالها فى حياتنا اليومية. فعلى الرغم من الدور المحورى الذى تلعبه وسائل الاتصال الحديثة فى تيسير الأمور الحياتية، إلا أن الاستخدام الخاطئ لها أدى إلى تفاقم هذه المشكلات بشكل مُقلق للغاية، لعل أبرزها زيادة التفكك الأسري، والخيانة الزوجية، وحالات الطلاق .. دعونا نناقش فيما يلى التأثير النفسى على الأفراد الذين يستخدمون الشبكات الاجتماعية بشكل مفرط.

نقطة التحول
مع الانتشار الواسع النطاق لوسائل التواصل الاجتماعى فى حياتنا اليومية، أصبحت شعوب العالم أكثر ترابطا من أى وقت مضى فى التاريخ. ونتيجة لذلك، فمن المُرجح أن يكون الناس أكثر سعادة نظرا لارتباطهم بمزيد من الناس، حيث وجد الخبراء من خلال دراسات بحثية متعددة أن غالبية المشاركين الذين يتمتعون بنشاط اجتماعى كبير (فى الحياة الواقعية)، قد أفادوا برضا أكبر عن الحياة ورفاهية نفسية أعلى. ومع ذلك، فإن التفاعل الاجتماعى عبر العالم “الافتراضي” يروى لنا قصة مختلفة تماما، خاصة عندما تؤثر الاتصالات عبر الإنترنت على علاقاتنا الشخصية غير المُتصلة بالشبكة.
فى هذا الإطار، نجد أن موقع التواصل “فيسبوك” هو أكثر وسائط الإعلام الإلكترونية استخداما فى العالم، لما يمتع به من إمكانات هائلة فى التأثير على المشاعر والعلاقات بين المراهقين تحديدا الذين يستخدمونه بغزارة. لذا، دعونا نحدد ما إذا كانت هناك علاقة بين الاستخدام المُفرط لوسائط التواصل الاجتماعي، والرفاهية العاطفية للأفراد الذين يستخدمون الشبكات الاجتماعية، وأيضا جودة العلاقات الشخصية بين هؤلاء المستخدمين.

الإطار النظري
تعتبر نظرية “الاستخدام والإشباع” من النظريات الأكثر شيوعا لفهم دوافع الأفراد للتعامل مع وسائل الإعلام المختلفة من أجل إرضاء احتياجاتهم. حيث تفترض هذه النظرية أن مستهلكى وسائل الإعلام يتخذون خياراتهم الخاصة بشأن وسائل الإعلام، ونوع الوسائط التى يستهلكونها من أجل الحصول على أقصى إشباع لرغباتهم. لكن، فى كثير من الأحيان، لا تكون الإشباعات المطلوبة هى نفس الإشباعات التى يحصل عليها الأفراد من وسائل الإعلام، فعلى الرغم من الترابط القوي، إلا أن الاستخدام المستمر لهذه الوسائط مع مرور الوقت، قد يعنى ضمنا أن الإشباعات التى تم الحصول عليها، تعزز بشدة الاستخدام المستمر لوسائل الإعلام نفسها، من أجل مواصلة السعى للحصول على الإشباع المطلوب فى الأساس.
تشمل نظرية “الاستخدام والإشباع” خمسة مكونات رئيسية: (1) الاعتقاد بأن الجمهور نشط. (2) يكمن الارتباط بين الإشباع واختيار وسائل الإعلام فى المستهلك. (3) تنافس وسائل الإعلام مع مصادر الإشباع الأخرى. (4) يتم استنباط أهداف وسائل الإعلام من المحتوى الذى يتم إنشاؤه من قبل المستهلكين. (5) يجب إيقاف الأحكام القيمية لوسائل الإعلام، وذلك عندما يتم استكشاف توجهات المستهلكين.
 وفى السنوات الأخيرة، ركزت نظرية “الاستخدام والإشباع” على دراسة وسائل الإعلام الاجتماعية وعناصرها المختلفة (مثل، الإشباع من استخدام فيسبوك)، ولوائح الخصوصية على الإنترنت، وتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، ورأس المال الاجتماعي، والدوافع لاستخدام هذه الوسائل الحديثة. ومن هذا المنطلق، أصبحت هذه النظرية مهمة للغاية فى تسليط الضوء على الفوائد التى تعود على استخدام أنواع مختلفة من الوسائط.

الإدمان الافتراضى
مع الانتشار العالمى المتزايد لمواقع التواصل الاجتماعي، هناك أدلة قوية على أن هذه المنصات تقدم تجربة متنوعة لكل مستخدم، وأن بعض هذه التجارب يحقق نتائج إيجابية. وبالتالي، تقدم هذه المزايا تفسيرات مُحتملة عن سبب استمرار استخدام وسائل الإعلام الاجتماعية. أحد أكثر الأسباب شيوعا لهذا الاستخدام هو البقاء على الاتصال بالأصدقاء والعائلة. وبجانب المساعدة فى إنشاء هوية على الإنترنت، فإن استخدام وسائل الإعلام الاجتماعية يوفر أيضا الإشباع فى بعض المجالات العاطفية والمعرفية والاجتماعية والمألوفة لحياة المستخدمين.
لكن بشكل عام، لا يتم تحقيق الإشباع الكامل فى كل هذه المجالات، مما يؤدى إلى تراكم  الاحتياجات غير المُبررة، والتى تحث على استخدام وسائل الإعلام الاجتماعية باستمرار، ومن ثم يصبح المستخدم (مدمنًا)، خاصة عندما يعجز عن تلبية هذه الاحتياجات فى المواقف غير المُتصلة بالإنترنت.


مواقع التواصل الاجتماعى..

الدوافع والمحاذير
وإذا ما نظرنا إلى أسباب قيام معظم المستخدمين بمشاركة الصور عبر الإنترنت؟!. نجد أن هناك أربع فئات من الإشباع:
(1) البحث والاستعراض: الحاجة إلى مواكبة العالم والحفاظ على التفاعل مع الآخرين.
(2) الإمكانات التكنولوجية: التى تسهل عملية المشاركة.
(3) التواصل الاجتماعي: للحفاظ على العلاقات الوثيقة، وإنشاء علاقات جديدة.
(4) التواصل: الرغبة فى الوصول إلى جمهور أوسع، وتلقى تعليقات على الصور.
عندما يتفاعل مستخدم ما مع الآخرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فإنه يحرص على دمج تقنيات تعزيز الترابط من أجل تحقيق أقصى استفادة من استخدام هذه المنصات فى شكل “رأس المال الاجتماعى” Social Capital أى الشبكات الاجتماعية والجماعات الداخلية فى المجتمع التى تصف العلاقات الاجتماعية بين الأفراد بعضهم البعض، والتعاون والتنسيق القائم فى المجتمع”. وبشكل أساسي، فإن رأس المال الاجتماعى للفرد هو زيادة تأثيره على الإنترنت.
ومع ذلك، يجب على المستخدمين أيضا توخى الحذر عند التواصل مع الآخرين، لكى لا يصبحوا أكثر عُرضة للتأثر من خلال الإفراط فى كشف معلوماتهم الشخصية. فهناك أربع مخاوف حقيقية حول مشاركة المعلومات عبر الإنترنت:
(1) التحكم فى المعلومات: أى التحكم فى كم المعلومات التى ترسلها إلى أشخاص آخرين.
(2) فقدان القوة: عند مشاركة معلوماتك الشخصية مع الآخرين، قد يكتسبوا قدرا من الضغط عليك.
(3) فقدان الهوية: الضرر المدرك.
(4) حياة مستقبلية للمعلومات: إدراك احتمال وقوع ضرر.
وبالنظر إلى هذه المستويات من الخصوصية، من المُثير للاهتمام أن نرى كيف تؤثر سلوكيات الخصوصية على الطريقة التى يتفاعل بها المستخدمون مع الآخرين عبر المنصات الرقمية، وكذلك كيف تؤثر هذه السلوكيات على العلاقات التى يتم تشكيلها عبر هذه المنصات والعالم المادى على حد سواء.

العلاقات فى العصر الرقمي
العلاقات بين الأشخاص هى علاقات تحدث بين شخصين أو أكثر، ويمكن أن تشمل العلاقات عبر الإنترنت والتفاعلات غير المُتصلة بالإنترنت. دعونا نركز فى نقاشنا على فهم كيفية استخدام الأفراد للشبكة العنكبوتية، خاصة وسائل الإعلام الاجتماعية، وإلى أى مدى تؤثر على علاقاتهم الشخصية غير المُتصلة بالإنترنت.
تشير بعض الأبحاث إلى أن وسائل الإعلام الاجتماعية تغير بالفعل طريقة تفاعلنا مع بعضنا البعض فى وضع عدم الاتصال. ففى الآونة الأخيرة، ظهر مصطلح جديد يعرف باسم “”Phubbing وهو مصطلح تم صكه كجزء من حملة قاموس “ماكوارى” لوصف عادة تجاهل شخص ما لصالح الهاتف المحمول. والمصطلح اختصار لكلمتى phone snubbing أو تجاهل الآخرين بسبب استخدام الهاتف. وهذا يعنى أن مدى ارتباط الأشخاص بالآخرين يرتبط بشكل مباشر بمستوى إدمان الهواتف الذكية.
فمع تزايد احتمال استخدام الهاتف المحمول، تتزايد احتمالية حدوث الـ  Phubbingبشكل متكرر، مما يؤدى إلى تغيير دائم فى الطريقة التى نتفاعل بها مع بعضنا البعض. كذلك أشارت الدراسات الحديثة إلى أن إساءة استخدام فيسبوك يمكن أن تؤدى إلى عواقب اجتماعية سلبية، مثل: العزلة الاجتماعية، عدم الثقة فى العلاقات، الخيانة الزوجية، قلة التماسك الاجتماعي، إدمان فيسبوك، الطلاق.

الخوف والقلق
نجد أن ما يسمى بـ الخوف من فوات الشيء Fear of missing out أو فومو FOMO وهى حالة عامة تدفع الأشخاص إلى الرغبة فى أن يكونوا على اتصال دائم، خوفا من فوات حدث ما لا يشاركون فيه. وهذه الحالة تصيب معظم من لديه حسابات فى وسائل التواصل الاجتماعي. الأمر الذى يقود بدوره إلى اتجاه هؤلاء الأفراد إلى البقاء على اتصال دائم مع أقرانهم عبر الهواتف الذكية.
ومن الآثار الجانبية للإفراط فى استخدام الهاتف الذكى تقليل التحكم الذاتى فى الحالة العاطفية، والذى يتم تحديده من خلال عمليتين:
(1) نقص التقييم المعرفى: أى عدم القدرة على تقييم حالتك العقلية أو العاطفية بطريقة مختلفة).
(2) زيادة الاضطرابات العاطفية: أى كبت مشاعر المرء وتراكم الضغط والإجهاد. وكلاهما يؤدى إلى عدم القدرة على تنظيم المشاعر بشكل صحيح. وهنا تجدر الإشارة إلى أن وسائل الإعلام الاجتماعية ذاتها ليست سببا فى هذه المشاكل النفسية، إنما سوء الاستخدام والإفراط فى الاستخدام من قبل المستخدمين.
ويرتبط الشعور بالخوف من فوات الشيء FOMO ارتباطا وثيقا بحياة الأفراد الذين يستخدمون وسائل الإعلام الاجتماعية. وفى هذا الصدد، سعى بعض العلماء إلى استكشاف متى ظهر القلق فى حياة طلاب الجامعات الذين انفصلوا عن هواتفهم المحمولة. فبعد جمع أسباب استخدام كل مشارك لهاتفه، والحصول على بيانات عن مدة الاستخدام فى الأنشطة التى يميل إليها كل فرد، وجد الباحثون أن متوسط الوقت الذى يقضيه كل طالب جامعى على هاتفه (يوميا) هو 13 ساعة. وشملت دوافع الاستخدام: المراسلة النصية، الاستماع إلى الموسيقى، زيارة المواقع الإلكترونية، التحدث عبر الهاتف، استخدام البريد الإلكتروني، مشاهدة التلفاز / الأفلام، ممارسة الألعاب، وقراءة الكتب.

الاكتئاب والوحدة
يُسهم كل من الاكتئاب والشعور بالوحدة فى مشاكل الصحة العقلية الناجمة عن استخدام وسائل الإعلام الاجتماعية، حيث وجدت بعض الدراسات أن العديد من طلاب المدارس والجامعات يتعاملون مع معدلات القلق والاكتئاب أعلى خمس مرات من غيرهم. لذا، دعونا نطرح الأسئلة التالية ما كيفية تأثير اختيار الفرد للتفاعل مع أنواع معينة من الوسائط على عواطفه، وكيف تؤثر هذه العواطف على العلاقات بين الأشخاص دون الاتصال بالإنترنت، وكيف يؤثر استخدام الوسائط الاجتماعية على جودة العلاقات الشخصية بين المستخدمين؟، وكيف يؤثر استخدام الوسائط الاجتماعية على الرفاهية العاطفية للمستخدم؟ ولماذا يستخدم الناس مواقع التواصل الاجتماعي؟.
لا شك أن زيادة الوقت الذى يقضيه الفرد فى الإعلام الاجتماعى سيؤدى إلى انخفاض الجودة الإجمالية للعلاقات بين المستخدمين. كما أن ارتفاع معدل الوصول إلى الوسائط الاجتماعية سيؤدى إلى انخفاض الجودة الإجمالية للعلاقات بين المستخدمين. وسيؤدى زيادة الوقت المستغرق على الشبكات الاجتماعية إلى انخفاض مستوى الشعور العاطفى لدى المستخدم. أيضا يؤدى التكرار المتزايد للوصول إلى الوسائط الاجتماعية إلى انخفاض المستوى العاطفى للمستخدم.

مراجعة أنفسنا
نستخلص مما سبق، أن استخدام وسائل الإعلام الاجتماعية يقدم نتائج سلبية أكثر من الفوائد. وبالتالي، إذا لم يتم اتخاذ التدابير المناسبة لتكون أكثر إدراكا بكيفية تأثير استخدام هذه المنصات علينا، وما يمكننا القيام به لحل هذه المشكلات. فمن المُرجح أن نطور عادات سلبية، ونغرق أنفسنا فى حالة من الاضطراب العاطفى العميق من خلال السماح السلبى لتدهور العلاقات. وهذا يعنى أن وسائل الإعلام الاجتماعية قد تنتج مجتمعا من المدمنين.
والسؤال الذى يجب أن نطرحه على أنفسنا هو كيف يمكننا معرفة إن كان استخدام هذه المنصات أصبح أكثر من اللازم أم إدمانا؟!. قد يتطلب ذلك أخذ استراحة من استخدام وسائل الإعلام الاجتماعية لفترة قصيرة والاستفادة من حياتنا، لرؤية ما نحتاجه فعليا من هذه المنصات بشكل أفضل، ومن ثم اختيار إما الاستمرار فى استخدامها لتلبية هذه الاحتياجات، أو البحث عن مصادر بديلة للإشباع.

عن الكاتب

كلمات البحث:
شارك

مواقع التواصل الاجتماعى.. تفاعل أم إدمان؟!

التعليق

  • تعرف على

    أفضل موسوعة عربية فى مجال التقنيات المعلوماتية في مصر والعالم العربي، وتقوم بنشر المعرفة المتكاملة والمستحدثة بكافة صورها حاليآ ومستقبلآ.

  • تابعنا على الفيس بوك

© 2014 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الاهرام