سيكولوجية الملصقات فى عالم السوشيال ميديا - لغة العصر
رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة               رئيس التحرير: نبيل الطاروطي

سيكولوجية الملصقات فى عالم السوشيال ميديا


  

سيكولوجية الملصقات فى عالم السوشيال ميديا

فى كل عيد، أو مناسبة من المناسبات التى نحتفل بها، يهطل علينا سيل غزير من ملصقات التراسل. ففى زمن السوشيال ميديا، تكدست قوائم اتصال هواتفنا الذكية بالأصدقاء، وتشظت شبكاتنا الاجتماعية فى فضاء الإنترنت، على نحو غير مسبوق فى تاريخ الاجتماع البشري. وهكذا، نتلقى عشرات الملصقات، وربما المئات، أو حتى الآلاف منها (فى حال كنت نجم سوشيال ميديا أو ما شابه)، عبر هؤلاء الذين نوجد ضمن شبكاتهم الاجتماعية فى ذلك العالم اللافيزيقى، ويوجدون ضمن شبكاتنا، والذين قد نعرفهم أو لا نعرفهم، بالضرورة، على نحو شخصى وحميمي.
هجوم عشوائي، أداته تلك الملصقات الجرافيكية، يجرى شنه يوميًا على مساحاتنا الخاصة بتطبيقات السوشيال ميديا، مثل “فيسبوك” و”مسنجر” و”واتساب” و”تويتر” و”فيبر” و”إنستجرام” و”سنابتشات” و”آيمسيج”، وغيرها. باتت تلك الملصقات، وسيلتنا البصرية المعاصرة للتعبير عن مشاعرنا تجاه الآخرين وإليهم. وما دامت مشاعرنا أصبحت تنتقل فى فضاء الإنترنت بصورة آلية، فهل يأتى ذلك بنتائج عكسية ضمن مستويات مختلفة؟ أو هل يعتبر بمثابة تهديد حقيقى للبناء الاجتماعى، والعقلانى، والسيكولوجى، والثقافى، والاقتصادى، وهلم جرا؟
تلك ظاهرة من الظواهر التى شاعت فيما بعد انتشار الهواتف الذكية، حيث تستخدم الملصقات أيضًا فى الدردشات، كأداة مبتذلة، بالضرورة، حلت محل عباراتنا المنمقة والدافئة، المسكوكة بروية وحكمة. هنا، تذكر الإحصاءات أن: “الفرد اليافع عادة ما يرسل نحو 67 رسالة فى المتوسط يوميًا”، مانحًا منتجى تلك الملصقات فرصة سانحة لتسويق منتجاتهم، بما هى إحدى الصناعات الإبداعية المعاصرة. فصناعة تطبيقات التراسل، تجنى أرباحًا سنوية قدرها 270 مليون دولار أمريكى عبر مبيعات الملصقات الجرافيكية وحدها. والحق، أن ملصقات التراسل تسعد البعض، بينما تزعج البعض الآخر. ففى تصويت أجراه أحد مواقع الإنترنت، شمل أكثر من أربعة آلاف فرد، اعتبر أغلبية المصوتين، بمقدار 52 ٪ أن ملصقات السوشيال ميديا “مزعجة”، فى حين أجاب 47 ٪ بأنها مفيدة.
أما فى زمن ما قبل الإنترنت، فكان الناس يتبادلون البطاقات البريدية المطبوعة. وأذكر أن آخر بطاقة بريدية استلمتها، كانت من التشيك فى صيف العام 1997. أما آخر بطاقة بريدية أرسلتها، فكانت من مطار هيثرو بلندن فى شتاء العام 2008 أى قبل الانتشار الطاغى لتطبيقات السوشيال ميديا. وقد كانت تلك البطاقات تستخدم كذلك لأغراض تسويقية خالصة، أى البطاقات التى تحمل العلامات التجارية، والتى اعتدنا وجودها فى صناديق بريدنا فى المناسبات العامة والخاصة. والظاهر، حدثت قطيعة حاسمة مع ذلك البريد الورقي. فمع بداية ظهور الويب فى تسعينيات القرن العشرين، ظهرت المواقع المتخصصة فى البطاقات البريدية الإلكترونية (e-Cards)، مثل Hallmark وغيرها، لتحتل تدريجيًا المساحات المترتبة على تراجع صناعة البطاقات الورقية.
هناك عشرات المواقع التى تتيح تلك البطاقات الجرافيكية بالمجان مثل:  Rattleboxو Someecards و  Pingg و Fleeting Greetings و 123Greetings، وغيرها. وعلى غرار كثير من القطاعات الإنتاجية التى انتقلت إلى بيئة الإنترنت، تحول بعض منتجى البطاقات المطبوعة إلى مجال بطاقات الإنترنت. فبعض تلك المواقع يتيح تلك الخدمة عن طريق الدفع الائتمانى المسبق، مع إتاحة بعضها بالمجان، أو المراوحة بين تسويق كل من المطبوع والإلكترونى، وأشهرها Hallmark و punchbowl و paperlesspost وBlue Mountain.
القصد، كانت البطاقات الإلكترونية، ترسل عادة عبر الإيميل إلى صديق واحد فقط، أو عدد محدود من الأصدقاء المعروفين جيدًا لنا، وأحيانًا ما تكون مشمولة بكلماتنا التى تعكس مضمون العلاقة الإنسانية أو الاجتماعية بين المرسل والمستقبل، أو حتى يمكن تعديل تصميمها بحسب ذوق المرسل أو المرسل إليه. وهكذا، كانت لا تخلو من الحس الإنسانى المتدفق، والقيمة الاجتماعية القطعية، وليس على طريقة بعض ملصقات السوشيال ميديا فى برودها، وتصنعها، ورماديتها، بل وإصرارها الغريب على الالتصاق بشاشاتنا، وشغل مساحات التخزين فى هواتفنا بداعٍ وبدون داعٍ.
أثارت الصديقة د. هبة شريف (أستاذ الأدب الألمانى)، مؤخرًا، النقاش حول ظاهرة الرسائل التى نتلقاها عبر تطبيقات السوشيال ميديا. وتتلخص التقاطتها الملفتة فى أنه مع تراكم خبراتنا الشعورية والاجتماعية المنبثقة عن استخدام تطبيقات التراسل، تحسنت قدرتنا على تخمين مشاعر المرسل، رغم عدم توفر شرط التواصل المادى المباشر معه. إذ، اعتبرت أنه بإمكاننا أن ندرك المضمون العميق الذى تحمله كل رسالة أو ملصق، أى إن كان المرسل يعنى حقا المعنى المحمل فى مضمون رسالته، أو إن كان يرسلها على عجل دون أن يعنى فعليًا مضمون ملصقاته، إلى غير ذلك من الحالات.  
إلا أن البعض منا لا يدرك أن إرسال ملصقات المعايدة أو غيرها بكبسة زر، كدفعة واحدة لمئات وربما آلاف الأصدقاء، قد يستثير مشاعر سلبية لدى مستقبليها. فقد يكون بينهم غير المحتفل بتلك المناسبة الدينية على المذهب ذاته، أو الذى لا يدين بالدين نفسه، أو الذى لا يتحدث اللغة ذاتها المحملة فى محتوى الملصق، أو من لا تسمح له إمكانات هاتفه الذكى المتواضعة باستعراض الملصقات والتفاعل معها، أو من هو مشترك فى باقة إنترنت محدودة يحرص على استغلالها فى حالات الضرورة، أو من يفضل استهلاك الوقت المنصرف فى السوشيال ميديا بين أفراد أسرته وأصدقائه فى العالم الفيزيقي، أو من يعانى من فوبيا الضغط على الملصقات، بدعوى أنها قد تكون بمثابة شرك يخفى خلفه فيروس إلكترونى ما، أو من هو ممنوع بأمر من الطبيب النفسى من الاستخدام المفرط للسوشيال ميديا، أو من يعانى من آلام اليد الناتجة عن استخدام شاشات اللمس بالهواتف الذكية (SMS Thumb) أو من يشكو من ضعف البصر، أو يعانى من الإجهاد الذهني، وغيرها من الأسباب الأخرى.
وفوق كل هذا وذاك، إن الاقتحام المباغت عن طريق ملصقات التراسل، سواء كانت بصرية أو نصية أو فيديوية، وكذا عمل “تاج” الآخرين (Tagging) بدون سبب وجيه، وغير ذلك من السلوكيات الاجتماعية المثيلة فى فضاء السوشيال ميديا، يندرج تحت مفهوم الاعتداء الشعورى (Emotional Aggression)، أو يعتبر على أدنى تقدير بمنزلة انتهاك للخصوصية الديجيتالية (Violation of Digital Privacy). إذ، تعتبر هذه السوكيات السلبية، منافية لقواعد اللياقة المتبعة أونلاينيا، فيما يعرف بـ “إتيكيت الإنترنت” أو اختصارًا بـ النتيكيت (Netiquette). وهنا، تظهر أهمية نشر الوعى بإيتيكيت السوشيال ميديا. بل، أهمية أن يخوض المشرع غمار القوانين المنظمة لسلوكياتنا فى فضاء الإنترنت، وحماية المجموع من تغولات مستخدميه.
على صعيد آخر متصل بتلك الظاهرة، نجد أن صناعة المحتوى العربى لا تزال تعانى قصورًا كميًا وكيفيًا فى الملصقات التى تعكس روح الثقافة المحلية والأصالة العربية. فى حين أننا نستهلك فى الغالب ملصقات مجلوبة من ثقافات أخرى. لا أعني، هنا، التحريض على مقاطعة الملصقات التى تنتمى جذرًا إلى الثقافات الأجنبية، بما أن ذلك يتناقض تمامًا مع قيم التعددية والانفتاحية التى يجسدها مجتمع الإنترنت. إنما، يتعين على الصناعات الإبداعية العربية السعى نحو تأكيد وجودها على خارطة هذه الصناعة الوليدة، ولا سيما عبر إنتاج ملصقات بلغات مختلفة، بحيث تكون بمثابة مرآة عاكسة لمضامين الثقافة العربية وشخصيات تراثنا الحكائى على نحو سليم.
الملفت فى الأمر، تعتبر صناعة الملصقات “الدينية” هى الأكثر حيوية فى حيز السوشيال ميديا، بما أنها اجتاحت مبكرًا هذا المجال الإنتاجى الجديد. الأمر الذى يذكر بظاهرة الكتب الإلكترونية “الدينية” فى نهاية القرن العشرين، بما كانت الأكثر انتشارًا فى حيز الإنترنت دون غيرها من المجالات الموضوعية الأخرى. ما يعنى إمكان الإخلال بميزان التنوع داخل البناء الثقافى المحلى. والخطورة تتمثل فى أن بعضها يمتطى قسرًا ركائب العاطفة الدينية، ويستهين حقًا بعقول مستخدمى السوشيال ميديا. بل، ويتعمد تجريف ما تبقى لدى جماهيرها من حكمة، كتلك الملصقات التى غالبًا ما تنتهى بعبارات مثل “لا تخرج قبل أن تقول كذا، وإلا أصابك مكروه كذا وحلت عليك لعنة كذا وضربتك صاعقة كذا”!
إن فلسفة الملصقات تنبنى على اختزال الأفكار المركبة، وكذا الوقت المستهلك فى التعبير عن مشاعرنا فى ظل وتيرة العيش والإنتاج المتسارعة. طبعًا، مع أخذ منظور التربح منها، كرافد من روافد الإنتاج فى زمن الثورة الصناعية الرابعة. وهو أمر غير سيء فى ذاته. إلا أن هذه الصناعة الوليدة تمثل فى الوقت ذاته تحديًا كبيرًا لوجودنا فى فضاء السوشيال ميديا والحيز الاجتماعى المادي، على السواء. إنها تسلبنا تدريجيًا حرية التعبير عن أنفسنا بصورة مستقلة، بل قد تسلبنا أصلًا القدرة على التعبير عن أنفسنا، مما له انعكاسات سلبية على النسيج الاجتماعى والتنافسية التنموية. والمدهش أنه إزاء انتشار تلك الطريقة الجاهزة للتعبير عن الذات، تنخفض تدريجيًا قدرة الفرد على تأويل مشاعر الآخرين عن طريق التفاعل المباشر، سواء عبر لغة الوجوه أو نبرات الصوت، ولا سيما لدى اليافعين الذين هم الأكثر تعلقًا بالتكنولوجيا.
لابد لتجربتنا الاجتماعية والشعورية فى فضاء السوشيال ميديا، عمومًا، وفى علاقتها بملصقات التراسل، خصوصًا، أن تتشكل على نحو مستقل. أن تحتاط من إمكان انسياقها المفرط وراء الإملاءات المكرورة والتصورات الجاهزة. أن نحرص على ألا تتحول الملصقات إلى أداة للتعبئة الأيديولوجية، أو وسيلة لنشر الخرافة، سيما فى زمن اشتد فيه التعصب، وانحسر فيه العلم. أن تحترم خصوصية “الآخر” المقدسة فى فضاء الإنترنت. فبأيدينا يمكن أن نجعل ملصقات السوشيال ميديا جالبة للبهجة والترفيه والسلام النفسي، وداعمة للتكافل الاجتماعى وأغراض التنمية المستدامة، ومعززة للمضامين الثقافية، أى ضمن خلاصات الإبداع الكامنة فيها. كذلك، بأيدينا أن نجعلها مضيعة حقيقية للوقت والجهد والمال. أن نجعلها مستنقعًا للتشتت الذهني، وإعصارًا من الفوضى الاجتماعية. وبكلمة واحدة، أن تستحيل إلى تهديد خطير للعقل الاجتماعى الجمعي، خصوصًا، والمسلك التنموى، عمومًا.
ارحموا من فى النت، يرحمكم من فى السماء!

عن الكاتب

كلمات البحث:
د. رامي عبود

رابط دائم:
شارك

سيكولوجية الملصقات فى عالم السوشيال ميديا

التعليق

  • تعرف على

    أفضل موسوعة عربية فى مجال التقنيات المعلوماتية في مصر والعالم العربي، وتقوم بنشر المعرفة المتكاملة والمستحدثة بكافة صورها حاليآ ومستقبلآ.

  • تابعنا على الفيس بوك

© 2014 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الاهرام