الكمبيوتر.. سلعة غير ضرورية! - لغة العصر
رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة               رئيس التحرير: نبيل الطاروطي

الكمبيوتر.. سلعة غير ضرورية!


  

الكمبيوتر.. سلعة غير ضرورية!

الكل يعرف أن الموازنة العامة للدولة بعافية حبتين، وأن العجز تخطى حاجز الـ 500 مليار جنيه، وأن الدين الداخلى قد بلغ شأنًا عظيمًا وتجاوز الـ 4 تريليونات جنيه. والكل يعرف أن موارد الدولة لا تأتى إلا من الضرائب والرسوم بكل أشكالها وأنواعها التى تفنن فيها المشرعون حتى صار الناس يحبسون أنفاسهم خشية أن تطالها ضريبة أو رسم!.
منذ زمن وأنا أتعاطف مع وزير المالية، وبالتحديد عندما كنت أتناقش مع الدكتور مدحت حسانين، وزير المالية، حول تدبير تمويل لمشروع وافق عليه مجلس الوزراء خارج الخطة، وفوجئت بتعليق سيادة الوزير أنه: “يا جماعة أنا كل يوم الصبح مطلوب منى 500 مليون جنيه لتوفير احتياجات الناس.. وأنه لا ينام بسبب تفكيره المستمر فيما سيصنع غدًا لتوفير هذا المبلغ الصعب”!.
المبلغ زاد وتضاعف بعد أن تجاوز سقف المصروفات مبلغ الـ 1.4 تريليون جنيه، وصار الوزير مطالبًا كل صباح بتجهيز حوالى 4 مليارات جنيه لتدبير النفقات الجارية، ذلك مع الوضع فى الاعتبار أن موارد الدولة تتسم بالموسمية، يعنى بالبلدي: مواردها لا تأتى بصورة يومية إلا فيما ندر. فالضريبة العامة تحصل من الشركات والمؤسسات مرة واحدة فى العام، وحتى ضريبة القيمة المضافة والتى تحصل من المواطنين بصورة فورية، يحق للممول وفقًا للقانون أن يقدمها لوزارة المالية خلال 60 يومًا من تحصيلها!.
بالطبع الفاتورة الجمركية فى مصر واحدة من أكبر الفواتير، خصوصًا فى ظل تفاقم العجز فى الميزان التجارى برغم ما صدعونا به من أن تعويم أو “تغريق” الجنيه لابد وأن ينعكس إيجابًا على حجم الصادرات المصرية نتيجة لانخفاض أسعار المنتجات المصرية نتيجة لانخفاض قيمة الجنيه. والمفترض جدلًا أن نسبة ليست قليلة من عناصر الإنتاج تحتسب قيمتها بالجنيه.
الواردات المصرية الرسمية والتى تدخل عبر القنوات الشرعية، وبدون فساد أو تجاوزات، بلغت قيمتها أكثر من 65 مليار دولار، يعنى أن قيمتها بالمأسوف على شبابه -الجنيه المصرى- تتجاوز التريليون جنيه تحصل عليها رسوم جمركية فى حدود 43 مليار جنيه، مستهدف زيادتها إلى 45 مليار فى موازنة هذا العام.
المبلغ المتحصل من الجمارك على كافة السلع (45 مليار جنيه) كما ترون ضئيل، ولا يمثل وزنًا نسبيًا كبيرًا بالنسبة للإيرادات أو المصروفات، وزيادته بأى قيمة لن تصلح الكفة المايلة فى الموازنة العامة، لكن التفكير فيها يعنى أن الوزارة على ما يبدو قد استنفذت كل السبل والطرق الأخري، وأنها صارت تحاول مصمصمة أى شيء فى جهودها لخفض نسبة العجز التزامًا بالبرنامج الإصلاحى المقدم إلى صندوق النكد “أقصد: النقد” الدولي.
الدولة فى جانب آخر، وفى محاولتها لكبح ارتفاع الأسعار، عقب تحرير سعر الصرف، وتيسيرًا على المستوردين فى حساباتهم قررت أن تتبنى سعرًا ثابتًا للدولار لفترات زمنية معينة، وتبنت إستراتيجية أن يكون سعر ما أطلق عليه الدولار الجمركى أقل من سعر الدولار البنكى، كمحاولة أن لا تزيد معدلات التضخم عن الأرقام المخيفة التى تعايشنا معها عندما قفزت النسبة إلى أكثر من 33%  لأول مرة فى تاريخ الاقتصاد المصرى!.
الفارق بين الدولار الجمركى والدولار البنكى فى حدود 2 جنيه، وهذا يعنى أن نسبة الفارق فى حدود 12 %  وهو رقم بسيط إذا حسب بالنسبة للـ 45 مليار جنيه إيرادات، ولكن لأننا من الدول القليلة التى تحصل على ضريبة على الضريبة، حيث تحتسب ضريبة القيمة المضافة على السلع المستوردة بعد إضافة قيمة الرسوم الجمركية، فإننا يمكن أن ندرك أن الغرض من القرار كان ضريبة القيمة المضافة، وليس الرسوم الجمركية.
الوزير حتى يخفف من وطأة القرار أتى بفكرة عبقرية اسمها إلغاء تطبيق الدولار الجمركى على السلع غير الضرورية مثل الكافيار، وأطعمة الحيوانات الأليفة. وفى وسط هذه السلع أضاف أجهزة الحاسبات، والموبايلات، هذا بالطبع بالإضافة إلى السيارات.
الشئ الغريب، أن القرار جاء بعد افتتاح السيد الرئيس لمعرض ومؤتمر Cairo ICT 2018  وبعد خطاب قوى لسيادته فى الافتتاح، أكد فيه أهمية التحول الرقمى للمجتمع المصري، ذلك بالإضافة إلى مشاركة غير مسبوقة من وزارات متعددة عرضت فيها ما بدا أنه اتجاه وطنى نحو توظيف تكنولوجيا المعلومات للإسراع بمعدلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية!. الأدهى أن القرار جاء أيضًا من وزارة تتبنى إستراتيجية للتحول الرقمي، وبما يجعل منها قلب التوظيف التكنولوجى فى الحكومة المصرية!.
العجيب فى بلد العجائب، هو أن مجموعة من المطبلاتية خرجت لتزف إلينا سببًا وجيهًا للقرار ألا وهو تشجيع الصناعة المصرية. تلك الصناعة التى لم تستفد من تحرير سعر الصرف وانخفاض قيمة الجنيه بأكثر من 60 % من قيمته سوف تستيقظ فجأة لتستفيد من خفض هامشى لا تزيد نسبته على 15 %!.
نأتى إلى الكمبيوتر المجروح لنكتشف أن الحجة واهية، حيث لا تصنع أجهزة كمبيوتر فى مصر، خصوصًا بعد الوفاة الإكلينكية لمفهوم الحاسب المكتبى والتحول الجمعى نحو اللاب توب أو حتى التابلت، وهو ما يعنى أن الموضوع لا علاقة له بالصناعة من قريب أو بعيد!.
الشئ الآخر، أن مصر من الدول التى وقعت على اتفاقية المعلومات، والتى جعلت الرسوم الجمركية على الحاسبات وأجهزة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات صفر فى المائة، يعنى ببساطة الموضوع سيكون بالنسبة للدولة رفع السعر الذى يتم المحاسبة عليه فى ضريبة القيمة المضافة فقط. فلو أننا نستورد جهازًا سعره ألف دولار فإن سعره بالمصرى سيكون 18 ألف جنيه بدلًا من 16 ألف جنيه قبل القرار، تحتسب عليه ضريبة قيمة مضافة 14 % فتصبح تكلفته 20520 جنيه بدلًا من 18240  جنيهًا، واستفادة البلد من فرق السعر هى 280 جنيهًا فقط!.
الحقيقة يبدو القرار بالنسبة للكمبيوتر نوع من النشاز والتغريد خارج السرب، وهو دليل على أن الأمر قد جاء عفويًا دون دراسة حقيقية للعائد الذى يمكن تحقيقه من جراء القرار. الأدهى أن أكبر مستورد لأجهزة التابلت هى وزارة التربية والتعليم التى تعاقدت على 800 ألف جهاز، وهو ما يمثل أكثر من 80 ضعف واردات مصر من التابلت خلال السنوات السابقة، وبالتالى ستكون هى الأكثر تضررًا من جراء هذا القرار، إلا إذا تم إعفاء الجهة القائمة بالتوريد من هذا القرار الصعب.
الكمبيوتر يا سادة، ومكونات تكنولوجيا المعلومات، لا يمكن أن تكون سلعًا غير ضرورية فى عصر المعلومات. ولا يمكن أن نسير عكس ما اتفق عليه العالم من توفير البنية الأساسية اللازمة (التى تعد أجهزة الحاسبات والتابلت والموبايل جزء منها) هى أحد حقوق الإنسان للاستفادة من عصر المعلومات والمعرفة.
التحول الرقمى لن يتحقق أبدًا بضم الكمبيوتر إلى الكافيار وأطعمة الكلاب!.

عن الكاتب

الرئيس الأسبق لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء

كلمات البحث:
د. رأفت رضوان

رابط دائم:
شارك

الكمبيوتر.. سلعة غير ضرورية!

التعليق

  • تعرف على

    أفضل موسوعة عربية فى مجال التقنيات المعلوماتية في مصر والعالم العربي، وتقوم بنشر المعرفة المتكاملة والمستحدثة بكافة صورها حاليآ ومستقبلآ.

  • تابعنا على الفيس بوك

© 2014 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الاهرام