براءات الاختراع تفتح أبواب الثراء لعمالقة التقنية - لغة العصر
رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة               رئيس التحرير: نبيل الطاروطي

براءات الاختراع تفتح أبواب الثراء لعمالقة التقنية


  

براءات الاختراع تفتح أبواب الثراء لعمالقة التقنية

لم تعد الأجهزة والمعدات وبرامج التشغيل هي الوسيلة الوحيدة للوصول للقمة في قطاع التقنية، بل إن هناك وسائل أخرى قد تحقق لمالكيها التفوق والأموال والنجاح. من ذلك براءات الاختراع في هذا المجال الواعد، الذي يرحب بالإبداع ويوفر رعاية حقيقية للمبتكرين، ويجني من وراء أفكارهم - التي قد يبدو للبعض في بدايتها أنها تخاصم المنطق- أموالًا لا حصر لها. وفي صناعة مثل التكنولوجيا لابد من الإبداع، وتستلزم سرعة التغيير سرعة أخرى في التفكير والابتكار. فإذا لم تستطع الشركات الكبرى في هذا القطاع، كجوجل أو مايكروسوفت تحقيق النجاح الذي ترجوه فقد يتغير شكل المستقبل كلية. لذا، تركز الشركات العملاقة في القطاع التقني على توظيف أفضل المواهب في مجال الهندسة للوصول للابتكارات الجديدة والمنتجات التي لا تحفظ لها مكانتها فقط، بل وتصنع لها الأموال أيضًا. وذلك بعد أن أصبحت براءات الاختراع سلعة تباع للآخرين، وتستخدم ضد المنافسين، وسباقًا للتسلح بين الشركات العملاقة. ويكفي أن “أبل” حصلت على أكثر من 500 مليون دولار كتعويض من شركة سامسونج في معركتهما المستمرة منذ أكثر من سبع سنوات.
وربما للأسباب السابقة كلها تتصارع الآن على السيادة في سوق براءات الاختراع في المجال التقني عشرات الشركات، سواء الشركات العملاقة أو الشركات الناشئة.

سامسونج فوق القمة
ووفقًا للمسح الذي نشر عنه موقع visualcapitalist.com، فإن شركة “سامسونج” تتسيد عرش براءات الاختراع بامتلاكها لنحو 138.934 براءة اختراع. تليها في الترتيب شركة مايكروسوفت بفارق ضخم يتجاوز عشرات الآلاف، فشركة “مايكروسوفت” بكل ما قدمته من منتجات وأفكار لا تمتلك سوى 56.809 براءة اختراع فقط. أما المرتبة الثالثة في هذ المجال فلشركة “إنتل” التي لا يزيد عدد براءات الاختراع الخاصة بها على 52.851 براءة اختراع.
ومن المثير للتساؤلات، أن تأتي شركة “أي بي أم” التي تعمل في القطاع التقني منذ عشرات السنوات في المرتبة الرابعة بعدد من براءات الاختراع لا يتعدى 36.263 براءة اختراع. بينما تمتلك شركة “هون هاي” المعروفة باسم “فوكسكون” نحو 25.356 براءة اختراع.

“أبل” و”جوجل” في الخلف
أما ما قد يثير الدهشة أكثر من هذا، هو أن شركة “أبل” عملاق التقنية، التي تطاول قيمتها السوقية تريليون دولار، لا تمتلك سوى 25.033 براءة اختراع فقط. بينما تليها في الترتيب شركة “جوجل” التي يسمع باسمها القاصي والداني، حتى إن البعض يربط بين اسم محركها الشهير وبين الإنترنت، ومع ذلك لا يزيد عدد براءات الاختراع التي تملكها على 23.577 براءة اختراع.
أما شركة “أوراكل” الشهيرة، فلا تملك سوى 11.804 براءة اختراع فقط، بينما لا تمتلك الشركة الأشهر في مجال الشبكات الاجتماعية “فيسبوك” سوى 3.475 براءة اختراع.


براءات الاختراع

الأجهزة تحرز التفوق
من الأرقام والإحصاءات السابقة، نستطيع أن نلاحظ بسهولة أن السيادة في هذا القطاع للشركات العاملة في قطاع إنتاج الأجهزة، على الرغم من أن الشركات الأخرى العاملة في مجال البرمجيات تفوقها من حيث القيمة السوقية. فمثلًا تمتلك “سامسونج” عددًا من براءات الاختراع يتجاوز براءات الاختراع التي تملكها شركات مثل “أبل” و”جوجل” و”أمازون” و”أوبر” و”نيتفليكس” مجتمعة. بل إن شركة “فوكسكون” وهى إحدى الشركات الأعلى تصنيفًا في هذا المجال، تمتلك تقريبًا عددًا من براءات الاختراع يقارب ذلك الذي تمتلكه شركة “أبل” الشريكة لها.

الخيول وحيدة القرن
أما الشركات الناشئة التي لا تزيد قيمتها على مليار دولار، والتي يطلق عليها اسم: “الخيول وحيدة القرن” unicorns فتعاني بشدة في قطاع براءات الاختراع، فليست لديها القدرة الكافية على منافسة عمالقة التقنية. لذا، نجد أن أرقام براءات الاختراع التي تمتلكها يقل بفارق ضخم جدًا عن الشركات العملاقة حتى أن أعلاها وهي شركة “نيتفليكس” لا يتجاوز عدد البراءات التي تمتلكها حد المائتي براءة اختراع. فـ”نيتفليكس” لا يزيد عدد براءات الاختراع التي تخصها على 195 براءة اختراع. تليها شركة “أوبر” بنحو 182 براءة اختراع. أما شركة “سبوتيفاي” الشهيرة، فلا تمتلك سوى 179 براءة اختراع فقط. وتليها في الترتيب شركة سناب بنحو 154 براءة اختراع. ومن المثير أيضًا للتأمل ألا يتجاوز عدد براءات الاختراع التي تمتلكها شبكة “تويتر” على 114 براءة اختراع فقط.
أما شركة lyft فلا يزيد عدد براءات الاختراع التي تملكها على عشر براءات. والغريب، أنها ومنافستها الشهيرة “أوبر”، تقل عدد براءات الاختراع الخاصة بهما عن حاجز المائتي براءة. بل الأكثر إثارة للدهشة، هو أن جميع الشركات الناشئة السابق ذكرها يقل عدد براءات الاختراع التي تخصها مجتمعة عن ألف براءة اختراع مسجلة. وهو ما يساوي 1% من براءات الاختراع المسجلة التي تمتلكها شركة “سامسونج”.


براءات الاختراع

إنهاك مصارعي السومو
ويبدو أن شركة “سامسونج” تتحوط لأى نزاعات مستقبلية بهذا الكم الكبير من براءات الاختراع، بعد أن انتهت في منتصف العام الماضي أكبر معركة لبراءات الاختراع في عالم التكنولوجيا الحديثة بينها وبين شركة “أبل”. وعن ذلك يقول بول بير جوف، محامي براءات الاختراع في شركة ماكدونيل بوينهن هولبرت: “إن مصارعي السومو تعبا من مباراة المصارعة -في إشارة إلى هذين الكيانين العملاقين اللذين خاضا معركة براءات الاختراع- وقد أدى إرهاقهما إلى سعادة كبيرة بالتوقف عن الحرب، حتى أننا لا نعرف أيا منهما تراجعت أولا”.

حروب الهواتف الذكية
وتتبع حروب الهواتف الذكية تقليدًا أمريكيًا ينشأ دومًا بين الشركات المتنافسة، حيث يرغب المتنافسون في تعطيل نمو الشركات المنافسة عن طريق التذرع ببراءات الاختراع أو لإجبار المنافسين على تغيير منتجاتهم.
والحقيقة، أن إجبار الطرف الآخر على تغيير تقنياته يؤدي أحيانًا إلى قيام هذا الطرف بإنتاج منتج أفضل، فالتحديد دومًا يولد الاستجابة.

معارك قادمة
لكن على الرغم من أن سوق الهواتف الذكية الذي شهد صراع العملاقين لم يعد ينمو بشكل كبير، إلا أن شركتي “أبل” و”سامسونج” ستظلان على الأرجح متنافستين لعقود قادمة، وذلك في مجموعة من المنتجات الجديدة، ومنها على سبيل المثال، السيارات ذاتية القيادة ونظارات الواقع المعزز ومكبرات الصوت الذكية وبرامج الذكاء الاصطناعي.

ستمائة مليار دولار خسائر أمريكية
وترتبط قضية براءات الاختراع بقضية الملكية الفكرية التي تعد بدورها جزءًا من الحرب التجارية الدائرة بين أكبر اقتصادين في العالم، وهما الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد الصيني. فلطالما انتقد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مرارًا وتكرارًا قوانين حماية الملكية الفكرية في الصين، واصفًا إياها بالقوانين الرخوة. كما أكد أن هذه القوانين سهلت سرقة حقوق الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا بشكل قسري، وهو ما يكلف الولايات المتحدة ما يقرب من ستمائة مليار دولار سنويًا.
ومن جانبها، تنفي الصين هذه الاتهامات كلية، مشيرة إلى أنها ستبذل المزيد من الجهد لحماية حقوق الملكية الفكرية ليس خوفًا أو خضوعًا للضغوط الأمريكية، وإنما لتعزيز الابتكار ودعم الصناعة، ودعم مصالحها الخاصة. وفي هذا السياق، تذكر المصادر الرسمية الصينية ارتفاع ما تدفعه الصين للولايات المتحدة كمقابل لحقوق الملكية الفكرية من 3.46 مليار دولار في عام 2011 إلى 7.2 مليار دولار في العام قبل الماضي.

مؤشر الابتكار
وفي عام 2018، تم تصنيف الصين بين الدول العشرين الأولى في مؤشر الابتكار العالمي، حيث انتقلت من المركز الثاني والعشرين إلى المركز السابع عشر، من بين 126 اقتصادًا عالميًا. وإن كانت قد أعلنت أنها تسعى للوصول إلى المركز الخامس عشر في أقرب فرصة. وهنا يرى المسئولون الصينيون، أن الولايات المتحدة لا تنظر للأمر إلا من منظور واحد فقط، وتتجاهل كل التقدم الذي حققته الصين، وكذلك الأرباح الضخمة التي حققتها الشركات الأمريكية في السوق الصينية. ولهذا يرى المسئولون في الصين، أن الولايات المتحدة تتخذ من حقوق الملكية الفكرية ذريعة لاحتواء الصين، وأنه ما لم تكن لدى الولايات المتحدة نية حسنة لحل المشكلة فلن يستطيع الطرفان الوصول لحلول مرضية.

الصين تتجه للحماية
كما يؤكد بعض الخبراء، أن الصين الآن راغبة أكثر من أي وقت مضى في حماية حقوق الملكية الفكرية، إذ أن لديها الآن أكبر عدد من براءات الاختراع، ومن المنطقي أن تحميها. كما أن قطاع التكنولوجيا في الصين تحول من مكان تصنيع منخفض التكلفة إلى مكان رائد في مجال الابتكار والإبداع، وذلك بعد أن قيدت الحكومة الصينية دخول الشركات الأجنبية إلى أسواقها، وفي غياب المنافسة أنتجت الصين بدائل محلية وتسعى الخطة الخمسية الثالثة عشرة في الصين إلى مضاعفة عدد براءات الاختراع وزيادة حصة التكنولوجيا الفائقة من الناتج المحلي الإجمالي. وقد أدي ذلك إلى قيام بكين بزيادة العقوبات المفروضة على من يقومون بانتهاك حقوق العلامات التجارية من 500 ألف يوان، أي ما يعادل 73 ألف دولار إلى 500 ألف يوان أي ما يقرب من 436 ألف دولار أمريكي. وزادت من عدد الموظفين المؤهلين للتعامل مع طلبات الملكية الفكرية وقصرت من الفترات اللازمة للاعتماد.
في النهاية، يرى الخبراء أن ما نراه الآن من حرب في مجال براءات الاختراع والملكية الفكرية بين الولايات المتحدة والصين مرجعه إلى أن الدولتين تجنبتا الدخول في أي صراع لأكثر من عقد من الزمان، وتجنبت شركات التقنية فيهما أي صراع مباشر. فشركات التقنية الصينية ركزت جهودها على الفوز بالسوق المحلية، بينما كانت الشركات الأمريكية التي لم تتمكن من الدخول إلى السوق الصينية تتوسع في الأسواق الأخرى بحرية، وليس أدل على ذلك من أن الصين طورت منصات وشركات كبيرة تجابه الآن الشركات الأمريكية الكبرى في مجالات البحث والتسوق والفيديو والموسيقى ووسائل الإعلام الاجتماعية.     


براءات الاختراع

لكن عندما فرغت الشركات الصينية من سوقها المحلية، وبدأت تتجه إلى الأسواق الأخرى، لم تقم بتصدير منتجاتها إلى الأسواق الدولية التي لا تمتلك المعرفة الكافية بها بل قامت بالعمل مع الشركات الناجحة الخبيرة بهذه الأسواق، وهنا بدأت التكنولوجيا الأمريكية تواجه أعنف تحدٍ تواجهه حتى الآن.

لمن الغلبة
بقي أن نعرف أن التوقعات المرتبطة بأي التقنيات ستسود، وأي براءات الاختراع ستسيطر لها علاقة بقدرة الدول على اجتذاب أفضل المواهب. ورغم التحركات الأخيرة لإدارة ترامب تظل الولايات المتحدة الوجهة المفضلة للمطورين الموهوبين، وتبقى قدرة الصين على اجتذاب الموهوبين أصعب بكثير بسبب الحواجز الثقافية واللغوية.

عن الكاتب

كلمات البحث:
شارك

براءات الاختراع تفتح أبواب الثراء لعمالقة التقنية

التعليق

  • تعرف على

    أفضل موسوعة عربية فى مجال التقنيات المعلوماتية في مصر والعالم العربي، وتقوم بنشر المعرفة المتكاملة والمستحدثة بكافة صورها حاليآ ومستقبلآ.

  • تابعنا على الفيس بوك

© 2014 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الاهرام