إفريقيا الرقمية.. ثورة وثروات - لغة العصر
رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة               رئيس التحرير: نبيل الطاروطي

إفريقيا الرقمية.. ثورة وثروات


  

إفريقيا الرقمية.. ثورة وثروات

لا يخفى على أحد حجم الثروات الطبيعية التي تتمتع بها القارة الإفريقية، التي تعد الأكثر تركزًا وتنوعًا في العالم، وكذلك حجم الموارد البشرية الشابة التي تمثل النسبة الأكبر من سكان القارة (60 % أقل من 25 عامًا) وكذلك كيف تمثل القارة الإفريقية سوقًا كبيرًا يعتبر الثاني من حيث عدد السكان عالميا (1.3 مليار نسمة أي 17 % من سكان العالم). لكن لأي درجة استطاعت القارة الإفريقية تعظيم الاستفادة من هذه الإمكانيات والموارد العملاقة؟ ولأي درجة استطاعت التكامل فيما بينها لتعظيم القيمة المضافة والعائد على مواردها وجذب الاستثمارات المناسبة، وتوفير فرص عمل متنامية وتحقيق معدلات نمو مرتفعة؟ وهل استطاعت تحقيق درجات الكفاءة والإنتاجية والحوكمة المطلوبة.. خاصة في عصر المعرفة والتنافسية العالمية الشديدة؟ إن كثيرًا من التحديات المرتبطة بغياب البيانات السليمة، وصعوبة التواصل ونقص المعرفة، وضعف الشفافية، وصعوبة الإبداع، أصبح في أغلبه من الماضي. وأصبح من الممكن حاليًا في إطار رؤية وخطط واضحة تمكين قطاعات القارة المختلفة وتكاملها من خلال إستراتيجيات متناغمة للتحول للمجتمع الرقمي.. الثورة الرقمية الإفريقية قادرة على تحقيق نقلة نوعية في كل مناحي الحياة بما ينعكس على أهداف التنمية المستدامة ورفاهية المواطنين بالقارة السمراء، وبصورة قادرة على تعظيم العائد من الثروة البشرية الشابة ومن الموارد الطبيعية الغنية ومن قدرات السوق المتعاظمة، وقادرة على الحفاظ على التراث والحضارة، وإعلاء الحوكمة والعدالة ومحاربة الفساد والجريمة. ولعل الأهم أن الثورة الرقمية الإفريقية قادرة على إظهار الإبداع الإفريقي في تقديم حلول غير تقليدية لتحديات القارة وبأيدي أبنائها وبتكلفة محدودة ونتائج مبهرة، لتمتلك مقدراتها وتستثمر القيمة المضافة وتجني العوائد المرتفعة، التي كانت تذهب لمن كان يحتكر المعرفة.
إن الاستثمار في التحول للمجتمع الرقمي الإفريقي هو استثمار لتمكين قطاعات القارة الواعدة، وتكامل قدراتها بما يسهم بصورة فاعلة فى سرعة تحقيق الطفرة النوعية بمعدلات التنمية ومستهدفات التنمية المستدامة. ولتحقيق هذا، من المهم أن تكون تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في قلب إستراتيجية التنمية الاقتصادية - الاجتماعية لدول القارة. وكذلك من المهم ربط القارة ببنية تحتية رقمية سريعة، وبنقاط تبادل محلية، وبمراكز بيانات تكاملية، وبسياسات تشريعية متوائمة، تحقق معايير الحوكمة والانفتاح والتكامل وخاصة باستخدام التكنولوجيا.
ومن الضروري استهداف التحول الرقمي في قطاعات التعليم والصحة ومكافحة الفقر ومكافحة الفساد، وتقديم حياة كريمة وتيسير الخدمات الحكومية، وخلق بيئة محفزة للقطاع الخاص ليكون قاطرة التنمية المستدامة. نحتاج إلى تفعيل بنية مؤسسية قادرة على قيادة التحول الرقمي وتنظيمه وتحفيزه واعتماد البنية التحتية ذات نطاق الاتصالات العريض والأجهزة الذكية المناسبة ومعايير أمن المعلومات وبرامج بناء القدرات البشرية، وريادة الأعمال والإبداع وتوفير التمويل الملائم (من الحكومات والاستثمارات الخاصة والشراكات بين القطاعين العام والخاص). وعندها يكون استخدام الهوية الرقمية وتقديم الخدمات من خلال منظومات ذكية تفاعلية، وتوفير تحليل متعمق وذكي للبيانات الضخمة لتعظيم النتائج، وتحقيق تخطيط تفاعلي يمكن قياسه، وتفعيل المدن الذكية والثورة الصناعية الرابعة (الثورة الرقمية) بقطاعات الزراعة والتعدين والتعليم والصحة والطاقة والتمويل وغيرها. ويتحقق من نتائج هذا التحول الرقمي للمجتمع الإفريقي توفير فرص عمل عالية القيمة وتحقيق تسارع في معدلات النمو الاقتصادي، وحوكمة أفضل للمدفوعات، ويكون المواطن الإفريقي محور الخدمات، وتتحقق المصداقية ومعايير الجودة.
في بداية العام الجديد هناك فرصة حقيقية لوضع أولوية من مفوضية الاتحاد الإفريقي من أجل تحقيق بنية مؤسسية وتشريعات متوائمة وإستراتيجية متكاملة للإبداع، والتحول للمجتمع الرقمي وتوفير البنية التحتية المتكاملة، خاصة مع رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي خلال 2019. ولعل مؤتمر إفريقيا 2018 الذي استضافته مصر في شهر ديسمبر قد ألقى الضوء على هذه الأهمية، خاصة مع مشاركة 100 شركة إفريقية صغيرة مبدعة معظمها تعتمد التكنولوجيا الرقمية، ومع ما تبعه من معرض التجارة الإفريقية البينيةIATF  في القاهرة، وتوقيع عدة اتفاقات للبنية التحتية التكنولوجية، ومراكز البيانات ومؤسسات تمويل المخاطر للشركات الناشئة.
إن تحرك الاتحاد الإفريقي بقوة في هذا الاتجاه سيحدث نقلة نوعية للقارة السمراء. ومن المهم مشاركة جميع الأطراف أصحاب المصلحة مع الحكومات وتبني مبادرات رابطة إفريقيا الذكية SMART AFRICA التي يرأسها بول كاجامي، رئيس رواندا، وكذلك مبادرات ممثلي القطاع الخاص مثل الرابطة الإفريقية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات AfICTA وأيضًا مبادرات ممثلي المجتمع المدني التنموية.

ولعل من النجاحات السريعة الممكنة:
- تفعيل مشاريع البنية التحتية التكنولوجية المشتركة ونقاط التبادل والتسعير ومراكز البيانات المشتركة.
- تفعيل منظومة دفع إلكتروني متوائمة ومعتمدة (نموذج M-PESA).
- إنشاء بوابة معرفية موحدة توفر جميع المعلومات اللازمة الخاصة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات بالدول الإفريقية والروابط إن وجدت الخاصة بهذه المعلومات من بنية مؤسسية وتشريعات وإستراتيجيات ومشاريع منفذة ناجحة ومشاريع مخططة للتحول الرقمي ومناقصات، وكذلك قواعد بيانات شركات قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بها وإمكانياتهم وسابقة الخبرة، وكذلك احتياجاتهم وهكذا. فالبداية تكون بالمعرفة (مبادرة لـ AfICTA).
- العمل على تنمية قدرات الإدارة العليا والتنفيذية المتخصصة في مجال المشاريع التكنولوجية من خلال أكاديمية متخصصة (تدريب مديري التحول الرقمي ومديري أمن المعلومات ومديري حضانات الإبداع ومحافظ التمويل في مجال الابتكار التكنولوجي والمشرعين في مجال تكنولوجيا المعلومات وغيرها). (مبادرة لـ AfICTA).
- تنظيم مؤتمر إفريقي سنوي بالتوازي مع معرض Cairo ICT يجمع قدرات واحتياجات إفريقيا في مجال التحول للمجتمع الرقمي في القطاعات ذات الأولوية، يشمل منصة رقمية ومساحة في المعرض لتشارك الأعمال Business Match Making platform
- توفير منصة رقمية للاحتياجات / التحديات القطاعية الإفريقية، وللمبدعين وريادة الأعمال باستخدام التكنولوجيا وللباحثين ولمؤسسات التمويل مع توفير عناصر التحفيز الملائمة وإدارة احترافية تؤسس لبيئة صحية متكاملة لتطور ونجاح الإبداع في حل تحديات القارة (مبادرة الرقابة الإدارية مع أكاديمية البحث العلمي المصرية Science Hub).
- نشر مشروع قاعدة المعرفة المصرية EKB وتفعيل الاتفاقات اللازمة ليستفيد منها أبناء القارة السمراء في المجال البحثي والمعرفي (وزارة التعليم المصري - EKB) والتجربة المصرية في تطوير التعليم بالتمكين التكنولوجي.
- التوسع في نشر مشروع الصحة عن بعد بإمكانيات إفريقية محلية (تطبيقات رصد الأمراض ومنظومة الصحة عن بعد - وزارة الصحة مع وزارة الاتصالات المصرية).
- تطوير منظومة لتقييم المحاصيل ومتابعتها من المزارع إلى المستهلك باستخدام تقنيات الفحص الطيفي، وسلاسل الكتلة المطورة محليًا.
والمؤكد أن هناك أفكارًا كثيرة يمكن تقييمها واعتمادها بين الأولويات سريعة المردود لتحقيق التنمية المستدامة في القارة الإفريقية من خلال التمكين التكنولوجي التشاركي، وتحقيق الثورة الرقمية الإفريقية وتعظيم العائد على ثرواتها.
ولهذا، قد يكون من الضروري أن يتبنى الاتحاد الإفريقي إستراتيجية متكاملة للتحول للمجتمع الرقمي وأن يطور - إن أمكن - إدارة مجتمع المعرفة بمفوضية البنية التحتية والطاقة إلى مفوضية للتحول للمجتمع الرقمي، أو كحد أدني أن يتم دعم هذه الإدارة وتمكينها للقيام بدور أوسع وأكثر عمقًا في تكامل الإستراتيجيات وتهيئة البيئة المحفزة والأطر المؤسسية والمشاريع الاسترشادية.

شارك

إفريقيا الرقمية.. ثورة وثروات

التعليق

  • تعرف على

    أفضل موسوعة عربية فى مجال التقنيات المعلوماتية في مصر والعالم العربي، وتقوم بنشر المعرفة المتكاملة والمستحدثة بكافة صورها حاليآ ومستقبلآ.

  • تابعنا على الفيس بوك

© 2014 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الاهرام