تكنولوجيا ضد أيديولوجيا الإنترنت وفتنة الأجيال (4 ـ 4) - لغة العصر
رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة               رئيس التحرير: نبيل الطاروطي

تكنولوجيا ضد أيديولوجيا الإنترنت وفتنة الأجيال (4 ـ 4)


  

تكنولوجيا ضد أيديولوجيا الإنترنت وفتنة الأجيال (4 ـ 4)

تناولنا فى العدد السابق نظرية «أجيال الحروب» التى اقترحها الكاتب العسكرى الأمريكى «ويليام لند»، وتوصلنا إلى أنها قسمت الحروب إلى أجيال أربعة. وانتهينا إلى أنه رأى النصر العسكرى لم يعد يكفى لتحقيق الأهداف الإستراتيجية، بل لا بد من استخدام أسلحة التعطيل الشامل للدولة و«التدمير المعنوى الشامل» لمواطنيها.. كيف يتحقق التدمير المعنوى الشامل، وما دور الإنترنت وشبكات التواصل فى هذه الصراعات؟.. هذا ما نحاول الإجابة عليه فى هذا المقال.

وفى هذه البيئة المعلوماتية، التى أصبحت الميدان الأساسى للحرب، يتم استغلال القدرات العسكرية للإنترنت، ومواقع التواصل، كأحد أعمدة: “إستراتيجية الاتصال”، والتمكين المعلوماتى والثقافى لأكبر عدد ممكن من المواطنين فى دولة “العدو”، وزيادة قدرتهم على التأثير على مجريات الأمور. وكذلك استخدام كل أنواع تكنولوجيا الاتصال، وقدرتها على خلق شبكات وأنماط تنظيمية وجماعات جديدة بسرعة لزيادة قدرة هذه المجموعات على التعلم والتأثير والبقاء.
وفى ضوء كل ما سبق، فإن الإجابة على السؤال، هى أن هذا الصراع قد يتخطى حدود الصراع ما بين أيديولوجيا وتكنولوجيا، ويتحول إلى فتنة ذات عواقب قاتلة، بين الأجيال وحروب مجتمعية، إذا توافرت كل الأسباب السابقة، عن قصد وبنية مبيتة أو دون قصد وبجهل!
وهناك من يتحدث الآن عن حروب الجيل الخامس، أو حروب الإحباط والعنف، حيث يوجه المحبط عنفه إلى مصدر إحباطه، وإلى كل رمز يمثل ما ينقصه: الفقير ضد الغنى، والمظلوم ضد السلطة التى تظلمه. وميادين هذه الحروب هى المؤسسات المالية من بنوك وبورصة وغيرها، وكذلك المرافق الحيوية من كهرباء ومياه وغيرها. وأصحاب هذه النظرية يقولون: إن هذه الحروب سوف تظهر أولًا فى الدول الكبرى. وينصحون بأن توجه هذه الدول ضربة استباقية لمنع حدوث هذه الحروب.. السلاح فيها ليس طائرات ومدافع وصواريخ.. وإنما المساهمة بشكل كبير وسريع فى التنمية الاقتصادية للدول “المحبطة”، والتى قد تكون مصدرًا لهذه الحروب، مع تقديم المساعدات الإنسانية لها بصورة منتظمة حتى تجفف المنابع المحتملة من الإحباط والعنف والخوف!
 
ماذا بعد؟
صحيح أن الإنترنت لها تأثيراتها السلبية على الذاكرة، والقدرة على التركيز وغيرها من القدرات الذهنية، وعلى جودة المعرفة والثقافة واللغة وغيرها. لكن الأهم من ذلك كله والأخطر، هو تأثيرها القوى على المنظومة الاجتماعية، وإمكانية استخدامها فى خلخلة هذه المنظومة، وتفكيك المجتمعات وتفتيتها بالطريقة التى ذكرنا بعض تفاصيلها.
أدرك كثير من الدول التأثير العسكرى والسياسى المتعاظم للمعلومات، والدور الذى يمكن أن تلعبه الإنترنت وشبكات التواصل كأحد الأسلحة الفاعلة فى إدارة الصراعات القادمة، فراحت هذه الدول تنشر لجانها الإلكترونية فى هذه القنوات كأحد خطوط الدفاع والهجوم فى هذه الصراعات. إسرائيل تفعل ذلك بكثافة ومنهجية عن طريق جيشها الإلكترونى الذى يتولاه رئيس وزرائها بالرعاية والاهتمام، ومعظم جنوده من طلبة الجامعات الإسرائيلية، الذين يفعلون ذلك مقابل مرتبات شهرية أو منح دراسية. و”الصين” و “الولايات المتحدة الأمريكية” لها أيضًا جيوشها الإلكترونية.
والأمر يستلزم من الدول التى تريد أن تحافظ على استقرارها ووجودها وسط حرب معلوماتية شرسة، أن يكون لديها إستراتيجية واضحة لإدارة هذا النوع من الحروب تقوم على أربعة مبادئ أساسية:
الأول: الحضور الدائم والمنظم بالرأى والمعلومة، والتوضيح فى جميع منابر العالم الافتراضى من شبكات التواصل، وتعليقات الجمهور على الأخبار والفيديوهات، وغيرها من القنوات التى يمكن أن يستخدمها كل من يريد أن يؤثر فى الرأى العام فى الداخل، وغالبًا عن طريق شائعات تجد طريقها إلى كثيرين، لأنه لا توجد معلومات تمنع توغلها. وهذا الحضور تزداد أهميته فى المراحل الانتقالية من حياة الشعوب، وفى أوقات الأزمات، وغياب الطمأنينة والسلام الاجتماعى. ففى هذه الأوقات يكون انتشار الشائعات وأنصاف الحقائق أسرع، والاستعداد لتصديقها أقوى، وتأثيرها أكثر بكثير منه فى أى وقت آخر.
الثانى: الرد على التهديد المعلوماتى من مصدره وبنفس طريقته. بمعنى أن التهديد لو كان مصدره الإعلام البديل، فلابد أن يكون الرد فى نفس قنوات هذا الإعلام، وليس فى قنوات الإعلام التقليدى. بل، والأفضل أن يكون الرد فى نفس الموقع الذى جاء منه هذا التهديد، فإن صدر من فيسبوك لابد أن يكون الرد فى فيسبوك، وإن صدر من تويتر لابد أن يكون الرد فى تويتر، وهكذا. والسبب ببساطة هو أن التهديد استهدف جمهورًا فى الإعلام البديل، وليس الإعلام التقليدى. وبالتالى، فالرد على أى تهديد فى غير “ميدانه” إهدار للطاقات والموارد والوقت.. ولا معنى له ولا قيمة! بالإضافة إلى أن هذا الرد لابد أن يكون سريعًا وفى وقته، حتى يحقق التأثير المرجو منه.
الثالث: الشفافية فى إدارة المعلومات. فالتعتيم لم يعد ممكنًا فى عصر الإتاحة، حيث أصبح الوصول إلى المعلومة -أى معلومة- أسرع وأسهل من أى عصر مضى. وغالبًا ما تأتى المعلومة “ملونة” بلون مصدرها، وخادمة لمصالحه، وإن تم إغلاق الباب فى وجه من يريد أن يعرف، فهناك آلاف الأبواب الأخرى التى سوف يصل من خلالها إلى ما يريد. فلم يعد المتلقى سلبيًا ينتظر -مرغمًا- من يتفضل عليه ببعض فتات المعلومات، يمنحها إن أراد ويمنعها إن شاء!
الرابع: تطوير الإعلام التقليدى -شكلًا ومضمونًا- لكى يبقى “ذا صلة”، وفعالًا فى سياق حروب المعلومات الجارية، والتى لن تنتهى قريبًا. وأن يكون قادرًا على مخاطبة جيل كامل نشأ وتربى فى “أحضان” إعلام بديل سريع فى إيقاعه، متجدد فى أدواته، متنوع فى قضاياه، وتفاعلى بطبيعته. والتنافس بين النوعين من الإعلام أمر طبيعى، لكن من يتابع أداء الإعلام التقليدى فى العالم العربى عمومًا، ومصر على وجه الخصوص فى السنوات الماضية، لابد وأنه قد لاحظ أن بعض قنوات هذا الإعلام قد حولت هذا التنافس إلى حرب مع الإعلام البديل، وتعاملت مع الجيل الذى يستخدمه على أنه عدو، أو على أنه جيل “مغرور” و”قليل الأدب” و “عديم التربية”، فخلقت شعورًا عامًا بالتفتت الاجتماعى، وكأننا على شفا حرب وفتنة وشيكة بين الأجيال.
صحيح أن لغة الخطاب الخاصة بهذا الجيل قد تكون “صاخبة “أحيانًا”، و”صادمة” للكثيرين، إلا أنه من الضرورى أن يدرك القائمون على الإعلام التقليدى أن عقول هذا الجيل هى الهدف الرئيسى لهذا النوع من الحروب. وأن الأمر أخطر من أن يترك للاجتهاد الشخصى، أو أن تحركه تصفية الحسابات مع بعض رموز هذا الجيل وقادة الرأى فيه!
إجمالًا، وبصرف النظر عن صحة نظرية أجيال الحروب من عدمها، لم يعد بناء القدرات المعلوماتية -هجومًا ودفاعًا وردعًا- لأية دولة وتطويرها المستمر من الأمور الاختيارية أو من لوازم الوجاهة التكنولوجية، بل ضرورة تفرضها التحولات الجذرية التى تمر بها بعض المجتمعات والتطورات التاريخية لآليات الصراع بين الدول، وطبيعة الحروب الحالية والقادمة، والتى أصبحت هذه المجتمعات طرفًا فيها، وستبقى كذلك -طوعًا أو كرهًا- لسنوات طويلة قادمة!.

شارك

تكنولوجيا ضد أيديولوجيا الإنترنت وفتنة الأجيال (4 ـ 4)

التعليق

  • تعرف على

    أفضل موسوعة عربية فى مجال التقنيات المعلوماتية في مصر والعالم العربي، وتقوم بنشر المعرفة المتكاملة والمستحدثة بكافة صورها حاليآ ومستقبلآ.

  • تابعنا على الفيس بوك

© 2014 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الاهرام