الفن التشكيلى والشواء على الفحم مقالات اراء حرة - لغة العصر
رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة               رئيس التحرير: نبيل الطاروطي

الفن التشكيلى والشواء على الفحم


  

الفن التشكيلى والشواء على الفحم

قالوا: “ولد الفن يوم أشارت حواء لجمال التفاحة ولم تمد يدها لتأكلها”. وقالوا: “ليس للتشكيلى أن يبدع ما لم يختبئ داخله شاعر صغير”. وقد شوهد الفنان الدنماركى “فولنسون” ينتحب أمام آخر تمثال نحته، قائلًا: “لم أجد به عيبًا، فأدركت أن الضعف أخذ يتطرق لمخيلتى”!. وإذا كانت الحضارات القديمة قد تمايزت بالفنون التشكيلية نحتًا ورسمًا، فلأن الفن يسهم فى تشكيل الوعي، فغدت أهم ما تركه على جدر الكهوف، والمعابد، والمقابر منذ آلاف السنين.
وكما أعلن “ماركس” أن: “الرأسمالية ستجعل كل الأشياء سلعًا، الدين والفن والأدب، وستسلبها قداستها”، كذلك فعلت التكنولوجيا حال أفقدت الفن قداسته! حين دخل العالم وفنانوه ومريدوه عصر الفنون الإلكترونية، لذا ستمسى المتاحف -قريبًا- أثرًا بعد عين. وهنا يقول الناقد السويسرى “أوبرست” فى كتابه (عصر الزلازل: دليل إلى الحاضرالمتطرف): “إن الإنترنت تغير هيكل أدمغتنا بطريقة، وبسرعة لا نستطيع مجاراتها، والمستقبل يحل علينا بأسرع من قدرتنا على توقعه”.
وقد أبدى أساتذة الفن الأمريكى قلقهم، فالشباب ينغمسون فى العالم الرقمي، مفضلين الإثارة فى الواقع الافتراضي، ولوحات عالمهم صارت ألعاب الفيديو، ومنحوتاتهم أصبحت أحدث طرز الهاتف المحمول! وليس بغريب أن يعلن “كينيث كلارك” المؤرخ الإنجليزى عام 1935: “موت التصوير”، فنحن نعيش عصر الاستنساخ الميكانيكي.
بدأت رحلة الفن التشكيلى بحامل رسم، ولوحة ورقية أو قماشية، بل ورسم على الجسد العارى ذاته، وبظهور الطابعات ثلاثية الأبعاد، وانتشار الفنون الرقمية، انقطع الشباب والجمهور عن عالم اللوحات والمتاحف والمعارض، وولوا وجوههم شطر “الواقع الافتراضي”، فبات الرسم مجموعة من الأوامر البرمجية، ترسل بطريق الضغط على أزرار، ليقوم العقل الإلكترونى بتنفيذ البرنامج المخزن فى ذاكرته، فهل نطلق عليه عملا فنيًا إبداعيًا، أم مجرد تصميم كمبيوتري؟
البعض يصفه بالإبداع، لأن الشخص إن لم يمتلك موهبة فلن يستطيع أن يستخدام تلك التقنيات، وإخراج عمل جميل يلقى قبول المتلقين، فمهما كانت أزرار الكمبيوتر صماء، واللوحة الرقمية بلا إحساس، فالمهم خبرات الفنان ومهاراته.
وآخرون يرون أن الشعور الذى يتملك الفنان لحظة إبداعه ينتقل إلى اليد بشكل لا شعوري، فينطبع على رسمه، ويترك بصمة كامنة فى التجلى الكلى للعمل، فيتأثر المشاهد رؤية ورمزًا، وتتاح له مساحة من التفكير، والتأويل، والتماهى مع اللوحة، فضربات الفرشاة، ومزج الألوان على المساحات البيضاء، وحركة يد الفنان تجعلها حافلة بالروح والحياة، فلا يمكن لليد أن تنجز شيئًا جميلًا لم يستطع القلب الشعور به، ذلك أن الفنان لا يرسم ما يراه، بل يعبر عن الدهشة التى يسببها ما يراه، وكما قال “رالف والدو إمرسون”: “الفرق بين اللوحة الحية والكمبيوترية كالفرق بين الشواء فى الميكرويف والشواء على الفحم”.

عن الكاتب

كلمات البحث:
حورية عبيدة

رابط دائم:
شارك

الفن التشكيلى والشواء على الفحم

التعليق

  • تعرف على

    أفضل موسوعة عربية فى مجال التقنيات المعلوماتية في مصر والعالم العربي، وتقوم بنشر المعرفة المتكاملة والمستحدثة بكافة صورها حاليآ ومستقبلآ.

  • تابعنا على الفيس بوك

© 2014 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الاهرام