البيانات الكبيرة.. بين المنافع الجمة والجدل الدائر - لغة العصر
رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة               رئيس التحرير: نبيل الطاروطي

البيانات الكبيرة.. بين المنافع الجمة والجدل الدائر


  

البيانات الكبيرة.. بين المنافع الجمة والجدل الدائر

لم يعد من الغريب العثور على معلومات جمعت منا ليتم استخدامها فى منحنا تجربة ذات علاقة سياقية ما عبر الإنترنت. وفى واقع الحال، فإن صناعة الإعلان عبر الإنترنت مبنية بالكامل على القدرة على إظهار الإعلانات والنتائج المهمة للمستخدمين حتى بعد مرور وقت من إجرائهم بحثا عن منتج ما أو خدمة معينة عبر محرك بحث. أجل، قد تكون هذه التقنيات مفيدة، ولكن بات من المعروف أنها تفسد المفاجآت الجميلة! فإذا كانت زوجتك، مثلا، تبحث عن هدية عيد ميلادك على الحاسب المنزلى المشترك، فإن الإعلانات اللاحقة التى ستشاهدها فى أعقاب بحثها، من شأنها أن تقضى على عنصر المفاجأة فى الهدية المرتقبة.
بعد فضيحة فيسبوك الأخيرة أصبح أمن البيانات مصدر قلق متزايد للشركات فى جميع أنحاء العالم، ولا سيما فى منطقة الشرق الأوسط، حيث يتزايد استهداف الهجمات الإلكترونية للشركات والمؤسسات. وبهدف تطبيق المعايير التنظيمية الدولية فى مجال أمن المعلومات، تم حديثا تطبيق منظومة “معايير تأمين المعلومات” فى دولة الإمارات، وهى عبارة عن مجموعة من المبادئ التوجيهية للهيئات الحكومية ترمى إلى حماية البيانات فى البنى المؤسسية الحيوية.
غير أن القطاع الخاص غالبا ما يكون مدفوعا بأسباب تجارية ومالية بحتة لضمان أمن البيانات، وقد توصلت أبحاث حديثة أجرتها شركة كاسبرسكى لاب، فى هذا السياق، إلى أن الشركات فى منطقة الشرق الأوسط وتركيا وإفريقيا تخصص ما يصل إلى 27 % من موازنات تقنية المعلومات فيها للأمن الإلكتروني. كما أنها ترسم ملامح جديدة للدور الإستراتيجى المتعلق بحماية بياناتها. هذا الاستثمار ليس مدفوعا فقط بالمبادرات الاستباقية والمستنيرة التى تتخذها القطاعات، ولكن أيضا بإحصائيات مخيفة أظهرتها أبحاث كاسبرسكى لاب نفسها، التى كشفت عن أن تكلفة حادث واحد لاختراق البيانات بمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وإفريقيا تبلغ فى المتوسط نحو مليون دولار! وهكذا يمكن القول إن الاستثمار لتجنب خسارة محتملة قدرها مليون دولار يشكل بالتأكيد تصرفا تجاريا ذكيا.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن القاسم المشترك فى جميع حوادث اختراق البيانات أو تسريبها، تقريبا، هو حقيقة الانخراط البشرى فى الحادث، سواء كان المنخرط فيه مجرما خبيثا أو موظفا مهملا جاهلا، وهنا تكمن الطامة الكبرى، إذ إن أى تصرفات فردية لشخص ما تؤدى إلى انهيار عائلة شخص آخر أو وقوع فضيحة عامة أو حدوث مطالبات بملايين الدولارات، ستجعل المشكلة تنتهى فى ساحة المؤسسة أو الشركة التى ينتمى إليها ذلك الشخص!
إن النجاح فى بناء ثقافة أمنية مؤسسية راسخة تتمحور حول البيانات، يبدأ بإطلاع الموظفين على أفضل الممارسات الأمنية وتمكينهم منها، بل إن أبسط الإجراءات فى كثير من الأحيان يمكن أن يكون له تأثير بعيد المدى، مثل فتح رسائل البريد الإلكترونى أو المرفقات الواردة من مصادر غير معروفة، فالتدريب السليم والمنتظم، وتقديم الدعم الفوري، من الأمور الضرورية لغرس هذه الثقافة داخل الشركة والمؤسسة.
ولكن عندما يتعلق الأمر بتأمين البيانات الشخصية، فإن المشاكل الكبرى عادة ما تحدث جراء اللامبالاة الشخصية، لا بسبب الإخفاقات التقنية، لذا فإن علينا جميعا إدراك أن جميع بياناتنا تشكل أهمية وقيمة ما لشخص ما، وحتى إذا كنا نعتقد أن “الإعجابات” و “المشاركات” هى مجرد أنشطة عادية نمارسها على وسائل التواصل الاجتماعي، فإنها قد تكون فى الواقع نوعا من “الكسب المادي” لمجموعة واسعة من الأفراد.
وثمة على الأرجح علاقة قوية بين الحالات المتصاعدة لاختراق أمن البيانات، وارتفاع الأخبار الكاذبة، والتصيد عبر الإنترنت كهواية رائجة. إن العلاقة الواضحة تتجسد فى أن هذا يحدث نتيجة السلوكيات البشرية، وأننا جميعا، أفرادا وشركات وحكومات، بحاجة إلى أن تتضافر جهودنا فى سبيل التصدى لهذه السلوكيات.
فهل من مجال أفضل من التوعية والتثقيف للشروع فى هذا الأمر؟ دعونا لا ننسى ضرورة المبادرة بالسعى إلى تجنب المشكلات قبل حدوثها، وعدم انتظار أن تقع الفأس بالرأس، فلا ينفع الندم حينئذ.

شارك

البيانات الكبيرة.. بين المنافع الجمة والجدل الدائر

التعليق

  • تعرف على

    أفضل موسوعة عربية فى مجال التقنيات المعلوماتية في مصر والعالم العربي، وتقوم بنشر المعرفة المتكاملة والمستحدثة بكافة صورها حاليآ ومستقبلآ.

  • تابعنا على الفيس بوك

© 2014 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الاهرام