حماية الأطفال من التنمر عبر الإنترنت مقالات اراء حرة - لغة العصر
رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة               رئيس التحرير: نبيل الطاروطي

حماية الأطفال من التنمر عبر الإنترنت


  

حماية الأطفال من التنمر عبر الإنترنت

ولا يتطلب هذا الفعل الوجود المادى للضحية. وفى الواقع، يمكن أن يتيسر بعدم الكشف عن الهوية. والفعل الواحد الذى يرتكب على الإنترنت يمكن أن يشاهده وينشره عدد كبير من الناس، مما يجعل من الصعب جدًا تقييم الكيفية التى ستخوض بها الضحية هذه التجربة فى المرة الأولى وفى المرات اللاحقة.
وتستخدم فى ارتكاب أفعال التنمر عبر الإنترنت مجموعة متنوعة من الوسائط والمنصات، بما فى ذلك الشبكات الاجتماعية عبر الإنترنت، والبريد الإلكترونى، وغرف الدردشة، والمدونات، والرسائل الفورية والرسائل النصية. وثمة عامل حاسم أدى إلى ظهوره وهو النمو السريع لإمكانية وصول الأطفال إلى الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وعلى الرغم من أنه من الصعب تقدير النسبة الدقيقة لمستخدمى الإنترنت من الأطفال، فإن أحد التقديرات الأخيرة يشير إلى أن ثلث المستخدمين حول العالم تقل أعمارهم عن 18 سنة. وأصبح الأطفال يتصفحون الإنترنت فى سن أصغر وبأعداد أكبر، ومتوسط العمر لأول استخدام للإنترنت آخذ فى الانخفاض.
ويمكن أن يشمل التنمر عبر الإنترنت نشر شائعات، أو نشر معلومات كاذبة، أو رسائل جارحة، أو تعليقات أو صور فوتوغرافية محرجة، أو استبعاد شخص ما من شبكات التواصل على الإنترنت أو وسائل التواصل الأخرى. ونظرًا إلى أن التنمر غالبًا ما ينتج عن التواصل المباشر فى المدرسة أو فى بيئات اجتماعية أخرى، فهو يمكن أن يسبب ضررًا بالغًا للغاية، حيث إنه يمكن أن يؤثر على الطفل الضحية فى أى وقت، ويبلغ بسرعة جمهورًا واسعًا للغاية.
ويعتبر التنمر عبر الإنترنت من أكبر شواغل الأطفال عند تصفح عالم الإنترنت. وتشير البحوث فى أوروبا إلى أن استلام الرسائل الجارحة هى أقل المخاطر شيوعًا بين الأطفال على الإنترنت، ولكنها تزعجهم أكثر من المخاطر الأخرى، وطلبت الأغلبية العظمى من الأطفال المتضررين من مثل هذه الرسائل دعمًا اجتماعيًا واستخدمت نسبة 6 % منهم إستراتيجيات لحذف هذه الرسائل أو حجبها.
وعلى الرغم من أنه لا تزال هناك فجوات فى البيانات بين المناطق المختلفة، فمن الواضح أن التنمر عبر الإنترنت يؤثر على عقول الأطفال ويدفعهم إلى التماس الدعم. وأكدت البيانات التى جمعتها منظمة الشبكة الدولية لخطوط المساعدة الهاتفية للطفل أن التنمر عبر الإنترنت حول العالم يمثل سببًا متكررًا لاتصال الأطفال بخطوط المساعدة: كان هناك 84727 اتصالًا بخطوط المساعدة فى عام 2014 بشأن التنمر عبر الإنترنت فى إنجلترا وحدها.
ويشكل التنمر عبر الإنترنت مظهرًا خطيرًا من مظاهر العنف على الإنترنت، وقد يرتبط بأشكال مختلفة من الاعتداء الجنسي. وقد يشمل التنمر عبر الإنترنت فى الواقع عرض ونشر صور ومشاهد ذات طابع جنسي، مثل مواد جنسية صريحة منتجة ذاتيًا، أو إعداد رسائل أو صور ذات طابع جنسى أو تبادلها أو إعادة توجيهها (رسائل نصية قصيرة إباحية)، أو تشجيع الترهيب والتنمر عبر الإنترنت (التحرش عبر الإنترنت)، بما فى ذلك بهدف الحصول على خدمات جنسية من الضحية أو إرغام الضحية على أداء أفعال جنسية (ابتزاز جنسي).

الرسائل النصية القصيرة الجنسية
تبين دراسة نشرتها الجمعية الوطنية لمنع القسوة على الأطفال، أن ما بين 15 و 40 % من الشباب فى المملكة المتحدة يتبادلون رسائل إباحية. وهذه النسب تشمل أطفالًا تقل أعمارهم عن 12 سنة، ويشعرون فى كثير من الأحيان بالقلق والارتباك والضيق بسبب ضغوط الرسائل الإباحية التى يتعرضون لها من أقرانهم. وأهم تهديد متعلق بالتكنولوجيا ليس من الغرباء، ولكن من أقرانهم وأصدقائهم على الشبكات الاجتماعية. ويدرك المراهقون كيفية تقليل المخاطر على الإنترنت الناشئة عن الغرباء، ولكن لابد من تحويل جهود التوعية نحو الحد من المخاطر الناشئة عن أقرانهم. ويعتبر دور المدارس فى عقد مناقشات بشأن الضغوط الجنسية التى تواجه الطلاب وفى تشجيع دعم وتدريب المعلمين لتيسير هذه المناقشات مهما.
والأغلبية العظمى من الشباب الذين ينتجون أو يستلمون رسائل نصية قصيرة جنسية لن يبلغوا على الأرجح شخصًا بالغًا بها، ويعتبر الآباء والمعلمون الملاذ الأخير لالتماس المساعدة. وفى حين أن معظم الصور المتضمنة فى الرسائل النصية القصيرة الجنسية تكون مولدة ذاتيًا وموزعة على جهاز متنقل، فإن الصور تتحرك بسهولة من أى منصة متنقلة إلى الشبكات الاجتماعية، مما يمكن أن يؤدى إلى التنمر عبر الإنترنت والاعتداء عبر الإنترنت على هذه المنصات.
ويتسم التنمر عبر الإنترنت بعدم التوازن فى القوى، ويمكن أن يتسبب فى ضرر عميق. وعلى الرغم من أن الأثر يعتمد على طبيعة وظروف الضحية، والنوع المعين من التنمر عبر الإنترنت والدرجة التى ينتهك بها سلامة الطفل وكرامته، فإن الضحايا عادة ما يشعرون بالقلق والخوف والضيق والارتباك والغضب وانعدام الأمن وانخفاض التقدير للذات وشعور قوى بالخجل وحتى أفكار انتحارية. وقد يتأثر أداء الأطفال فى المدرسة بسبب الضغط النفسى أو قد يتغيبون عن المدرسة لتجنب التعرض للتسلط. ويمكن أن تكون معدلات التسرب من المدارس أعلى أيضا بين الضحايا.

التنمر عبر الإنترنت وتصورات الأطفال والصور التى يولدها الشباب
من المهم دراسة ظاهرة التنمر عبر الإنترنت فى سياق الكيفية التى يتصور ويستخدم بها الأطفال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وهذا أمر بالغ الأهمية فى تعزيز الفوائد الهائلة للفضاء الإلكترونى والحد من مخاطر الاعتداء عبر الإنترنت وتخفيفها.
ويعتبر النشاط الاجتماعى من خلال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الآن جزءًا أساسيًا من حياة الأطفال، ولكن الطريقة التى يتعامل بها الأطفال والشباب مع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تختلف اختلافًا كبيرًا عن الجيل السابق. فيتحول الأطفال الآن بسهولة بين العالمين الحقيقى والافتراضي، ويتضاءل فى أعينهم الفرق بين ما هو على الإنترنت وخارج الإنترنت.
وقد يشعر الشباب بالميل إلى تبادل البيانات الشخصية دون أن يضعوا فى الاعتبار العواقب المترتبة على نشاطهم عبر الإنترنت، أو قد لا يستطيعون تحديد المخاطر القائمة على الإنترنت. وعلى سبيل المثال، قد لا يقدر الأطفال أن المعلومات أو الصور التى يتبادلونها على الإنترنت قد تنتشر بطرق لا يتوقعونها، وبالمثل، قد لا يدركون أنههم بمجرد تبادلهم هذه المواد فإنهم يفقدون السيطرة عليها. ويمكن أن يمثل ذلك إشكالية كبيرة عندما ينتج الشباب صورًا أو مقاطع فيديو كاشفة عن أنفسهم وهم ينخرطون فى نشاط جنسى ويتبادلونها عمدًا بأى وسيلة إلكترونية.
وقد ينتج الشباب مواد جنسية صريحة نتيجة لضغط الأقران، أو فى سياق علاقة “حميمة”. وفى الحالتين هناك مخاطر حقيقية من أن يشاهد هذه المواد أشخاص غير الأشخاص المقصودين. وعندما تقع مثل هذه المواد فى أيد غير أمينة، فإنه يمكن أن تستخدم لابتزاز الأطفال والشباب للانخراط فى سلوك محفوف بمزيد من المخاطر، وهى إستراتيجية جنائية يشار إليها عادة على أنها ابتزاز جنسي.
وهناك العديد من الأسباب التى تجعل من الصور المعدة للاستهلاك الخاص قابلة للانتشار على نطاق أوسع بكثير. فقد تكون هناك نية صريحة لإيذاء الشخص المعني، وقد يكون المشاركون فى الفعل غير مدركين للآثار المترتبة على أفعالهم، أو قد يكون عدم الكشف عن الهوية المتصور فى بيئة الإنترنت يشجع المراهقين على التصرف بطرق لم يكونوا ليتصرفوا بها فى التفاعلات المباشرة. وعلى أى حال، بعد نشر هذه الصور أو المواد على الإنترنت يكون من الصعب للغاية حذفها.
وقد كشفت بحوث أجريت مؤخرًا بشأن هذا الموضوع عن عدد من التطورات الهامة والمقلقة:
(أ) من بين الصور ومقاطع الفيديو التى شملتها الدراسة، عرضت 17.5 فى المائة منها صورًا لأطفال دون 15 سنة من العمر، وأنتجت نسبة 85.9 % من هذا المحتوى باستخدام كاميرا ويب وليس جهازًا متنقلًا.
(ب) نسبة عالية من المحتوى الذى يصور هذه الفئة العمرية تم تقييمه على أنه ذو “مستوى خطورة” أعلى مقارنة بالفئة العمرية 16 إلى 20 سنة.
(ج) كانت نسبة 93.1 % من المحتوى الذى يصور أطفالًا يبلغون من العمر 15 سنة أو أقل متعلقة بفتيات.
(د) كل المحتوى الذى يصور أطفالًا يبلغون من العمر 15 سنة أو أقل، تم تحميله من موقعه الأصلى وإعادة توزيعه عبر مواقع إلكترونية لأطراف ثالثة.
(ه) النسبة العالية من المحتوى الذى يصور أطفالًا يبلغون من العمر 13 سنة أو أقل (85.5 %) تبين أن ثمة حاجة إلى إجراء مزيد من الأبحاث لفهم الأسباب وراء هذه الظاهرة، ولإجراء حملات توعية مصممة خصيصًا للأطفال الصغار وأولياء أمورهم لمنع المخاطر التى قد يواجهها الأطفال على الإنترنت والتصدى لها.

حماية الأطفال المعرضين لمخاطر
الأطفال الذين يعيشون حالة ضعف ويواجهون صعوبات فى حياتهم اليومية، معرضون أيضًا إلى مواجهة مخاطر على الإنترنت. وبالفعل، فإن الأطفال ذوى الإعاقة، والأطفال الذين يعانون من الإقصاء الاجتماعي، والذين يتركون المدرسة لديهم فرص أقل على الأرجح للاستفادة من الإنترنت، ومن ثم تعلم ممارسات السلامة وهم يتصفحون الإنترنت. ونتيجة لذلك، عندما ينفذون إلى الإنترنت فإنهم يكونون أكثر عرضة على الأرجح للتعرض للتسلط عبر الإنترنت.
وتؤثر العزلة الاجتماعية على سلوك الأطفال على الإنترنت، بما فى ذلك مقدار الوقت الذى يقضونه والدافع إلى التماس المساعدة عند الحاجة. وقد يكون الأطفال المنعزلون أكثر عرضة لتبادل معلومات حساسة والانخراط فى سلوكيات أكثر خطرًا لكسب القبول والاهتمام. وقد أطلق على ذلك اسم أثر الخطر المزدوج، حيث إن الأطفال الذين يعانون من قدر أكبر من المشاكل النفسية قد يتعرضون لضرر أكبر على الإنترنت وخارج الإنترنت.
وهناك فئات معينة معرضة بشكل غير متناسب لمخاطر التنمر عبر الإنترنت، ومن ذلك على سبيل المثال، أن الأطفال ذوى الإعاقة أو ذوى الاحتياجات التعليمية الخاصة يكونون أكثر عرضة بكثير للتسلط من غيرهم. وقد ذكر شباب ذوو إعاقة أنه يمكن تثبيطهم عن استخدام الإنترنت، لأن الكبار يخافون من احتمال تعرضهم للتسلط أو بسبب مخاوف بشأن السلامة على الإنترنت. غير أن الذين شاركوا فى مشاورات بشأن التنمر عبر الإنترنت أبرزوا العديد من الجوانب الإيجابية لاستخدام الإنترنت. فيمكن أن تساعد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والإنترنت الأطفال فى التغلب على العديد من التحديات التى قد يواجهونها، بما فى ذلك عن طريق تقليل العزلة الاجتماعية من خلال المشاركة عبر الإنترنت واستخدام الشبكات الاجتماعية. وأعرب بعض الأطفال ذوى الإعاقة عن رأى مفاده أن استخدام الإنترنت يحررهم ويجعلهم أكثر اقتدارًا، نظرًا لأنها تتيح وسيلة للتعامل مع بعض أوجه معاناتهم. ويسمح الإنترنت لهم بالتواصل مع الأشخاص الآخرين الذين لديهم تجارب مماثلة، والحصول على الدعم لمشاكل مثل التنمر من لوحات الرسائل، والمنتديات ومقاطع الفيديو، وبناء علاقات اجتماعية، لا سيما عندما يواجهون صعوبات أو عزلة اجتماعية.
على الرغم من صياغة اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل والبروتوكولين الاختياريين الملحقين بها فى وقت كان من الصعب فيه توقع التحديات المرتبطة بالعنف فى الفضاء الإلكتروني، إلا أنها توفر إطارًا قويًا للتغلب على التحديات المرتبطة بإساءة استعمال الإنترنت.
واسترشدت لجنة حقوق الطفل بالمادة 19 من الاتفاقية التى تدعو إلى حماية الأطفال من جميع أشكال العنف، فتناولت فى تعليقها العام رقم 13 (2011) بشأن حق الطفل فى التحرر من جميع أشكال العنف تسلط البالغين أو الأطفال الآخرين تسلطًا نفسيًا على غيرهم وتنكيلهم بهم، بما فى ذلك من خلال تكنولوجيات المعلومات والاتصالات مثل الهواتف المتنقلة والإنترنت، التنمر عبر الإنترنت(Cyberbullying)  وأشارت اللجنة، إلى أن التزام الدولة بمنع العنف ضد الأطفال، بما فى ذلك التنمر عبر الإنترنت(Cyberbullying) ، والتصدى له يتطلب تنفيذ تدابير تربوية تعالج أنماط السلوك والعادات والتقاليد والممارسات السلوكية التى تتغاضى عن العنف ضد الأطفال وتشجعه. وتشمل هذه التدابير تزويد الأطفال بمعلومات دقيقة وميسرة ومناسبة للعمر عن المهارات الحياتية، وتحقيق الحماية الذاتية وفى مجال مخاطر محددة، بما فيها تلك المتعلقة بتكنولوجيات المعلومات والاتصالات، ودعم الأطفال لإقامة علاقات زمالة إيجابية ومكافحة التنمر، وتمكين الأطفال، بما فى ذلك تمكينهم من حقهم فى أن يستمع لهم. وعلى الرغم من أن الدولة والجهات الفاعلة فى المجتمع المدنى يمكن أن تتخذ تلك التدابير وتنفذها، فإن المسئولية فى نهاية المطاف تقع على عاتق الدولة.
وتبذل العديد من الدول عبر العالم جهودًا كبيرة لمنع التنمر عبر الإنترنت(Cyberbullying) والتصدى له، بما فى ذلك عن طريق تجريم تلك الأفعال. والتشريعات لبنة أساسية لأى نظام وطنى قوى لحماية الطفل. فهى توجه رسالة واضحة إلى المجتمع بشأن كيفية ضمان حماية الأطفال ومكافحة الإفلات من العقاب، وتتيح أساسًا لثقافة احترام حقوق الطفل، مما يدفع بعملية تغيير مستديم للمواقف والسلوك للتغلب على التحيز والقبول الاجتماعى للإساءة. وثمة حتى الآن عدد قليل فقط من الدول من اعتمد أحكامًا قانونية صريحة بشأن التنمر عبر الإنترنت، الذى كثيرًا ما يتم التصدى له فى السياق الأوسع للتشريعات المتعلقة بالتنمر. ولم تسن تشريعات محددة إلا فى الآونة الأخيرة، مما يجعل من الصعب استخلاص نتائج مؤكدة حول أثرها وفعاليتها على المدى الطويل.
وكما هو الحال مع التشريعات التى تتناول أشكالًا أخرى من العنف، يتعين أن تكون التشريعات المتصلة بالتنمر عبر الإنترنت(Cyberbullying) مدعومة بتدابير إضافية، بما فى ذلك التوعية ومبادرات التعبئة الاجتماعية، وجهود تعليمية وحملات إلى جانب بناء قدرات المهنيين العاملين مع الأطفال ومن أجلهم. وعند وضع القانون المناسب، فمن المهم الأخذ فى الاعتبار أن التنمر عبر الإنترنت يؤثر على الأطفال بشكل مختلف حسب فئتهم العمرية، حيث تنشأ أكبر التحديات للأطفال ما بين 13 و 17 سنة من العمر. وينبغى أن تكفل الأحكام القانونية الحماية الفعالة للأطفال، وأن تمنع المزيد من الإيذاء مع توضيح المسئوليات عن المنع والاستجابة.
وهناك عدة مناهج متبعة فى وضع التشريعات المتصلة بالتنمر عبر الإنترنت (Cyberbullying). وقامت بعض الدول بمعالجة جوانبه المختلفة، مثل نشر الصور الفاضحة من دون موافقة، والتحرش بشكل غير مباشر، وانتحال الشخصية بغرض الإيذاء عبر الإنترنت. ومن ذلك، قانون الاتصالات الرقمية الضارة النيوزيلندى الصادر فى يوليه 2015، الذى يجرم إرسال رسائل ونشر مواد على الإنترنت تتسبب عمدًا فى اضطراب عاطفى خطير أو تحريض على الانتحار. وتم إعداد تلك التشريعات لتجريم تلك النوعية من الجرائم، والحد من أثرها على الضحايا ووضع نظم فعالة لمكافحة تلك الجرائم وإزالة المحتوى الخاص بها من الإنترنت. وتوفر التشريعات مجموعة واسعة من سبل التعويض للضحايا التى يمكن أن تحكم بها المحاكم، بما فى ذلك إزالة المواد، ونشر تصحيح أو اعتذار أو إعطاء صاحب الشكوى حق الرد، أو الكشف عن هوية مصدر الاتصال المجهول.
وقد أدرجت بلدان أخرى أيضًا سبلًا جديدة فى القانون لتمكين ضحايا التنمر عبر الإنترنت من الشروع فى رفع دعاوى مدنية ضد المتسلط أو التماس أوامر الحماية. وتشمل هذه التدابير حظر الاتصال بشخص معين، أو تقييد استخدام أى من وسائل الاتصالات الإلكترونية أو مصادرة أى جهاز إلكتروني، مؤقتًا أو دائمًا، متى ثبت أنه يستخدم للتسلط عبر الإنترنت.
وثمة نهج آخر ينطوى على إنشاء هيئة مخصصة مكلفة بالتصدى للتسلط عبر الإنترنت. ويمكن أن يكون لمثل هذه الهيئة مجموعة من الوظائف بما فى ذلك البت فى الشكاوى المتعلقة بالتنمر عبر الإنترنت، ووضع معايير للسلامة على الإنترنت، والتواصل مع وسطاء الإنترنت والمستخدمين النهائيين المسئولين عن توليد المحتوى لإيجاد حل سريع للشكوى، أو إصدار طلبات رسمية لوسطاء الإنترنت أو المستخدمين النهائيين لإزالة المواد من الإنترنت. وعلى سبيل المثال، ينص قانون تعزيز سلامة الطفل على الإنترنت لعام 2015 الذى اعتمدته أستراليا على إنشاء مفوضية السلامة الإلكترونية للأطفال، تكون وظيفتها الرئيسية إدارة نظام للشكوى بشأن مواد التنمر عبر الإنترنت يعمل على إزالة المواد التى تستهدف الأطفال بسرعة من الوسائط الاجتماعية، وتعزيز سلامة الأطفال على الإنترنت فى الوقت نفسه.
والمثال الأخير يتمثل فى نهجٍ تركز فيه التشريعات الوطنية على البيئة المدرسية، فى ضوء قدرتها الحاسمة على منع هذه الظاهرة والتصدى لها. وفى هذه الحالات، يمكن أن تحدد التشريعات السلوك المحظور. وتحدد الفئات الضعيفة التى ينبغى أن تستفيد بصورة خاصة من مبادرات مكافحة التنمر، وتبلِغ الضحايا بسبل الانتصاف، وتوفر توجيهات مفصلة بشأن التحقيق فى الأحداث، وتقدم المشورة بشأن تدريب الموظفين للمساعدة فى منع التنمر وتحديده والتصدى له.
وفى الفلبين، أدرج قانون مكافحة التنمر لعام 2013 تدابير تقتضى اعتماد جميع المدارس الابتدائية والثانوية سياسات للتصدى للتسلط، وإعمال هذه السياسات بصورة خاصة فى حال ارتكاب هذا الفعل باستخدام التكنولوجيا أو أى وسيلة إلكترونية. وينص القانون على آليات ومتطلبات بشأن إعداد التقارير ذات الصلة، وينص على عقوبات فى حالة عدم الامتثال.
وتعد الوقاية من التنمر عبر الإنترنت أولوية بالنسبة للأطفال والكبار. ويحدث التنمر فى كثير من الأحيان بصورة مستمرة، ويتعين التصدى له فى المدارس وفى المنزل. وتشتمل المبادرات فى هذا المجال على التوعية، وفهم ما يشكل تسلطًا عبر الإنترنت، والمخاطر المرتبطة به وعواقبه، المقصودة وغير المقصودة على حد سواء. ومن المهم فى هذا الصدد تشجيع النهج الأخلاقى للاتصال عبر الفضاء الإلكتروني، وتعزيز قيم الاحترام والاهتمام بالآخرين لدى الأطفال وإحساسهم بالمسئولية عن منع التمييز وتعزيز السلامة على الإنترنت.
ومن الضرورى أيضًا بنفس القدر أن يتعلم الأطفال سبل ضمان حمايتهم الشخصية، بما فى ذلك عن طريق تعلم كيفية التعرف على أنواع المخاطر على الإنترنت، وسبل التعامل مع الضيق الذى يسببه الاعتداء عبر الإنترنت، وسبل تعزيز قدرتهم على الصمود وسبل تجنب الحالات التى قد تشوه فيها صورتهم أو يتعرض فيها شرفهم وسمعتهم للخطر.
إن التشجيع على بيئة تعليمية آمنة وهادئة يمثل مشروعًا ثقافيًا رئيسيًا يتطلب القيادة والدعم من الحكومة، لا سيما بتخصيص موارد كافية له، لكى تصبح هذه البيئة حقيقة فى أرض الواقع. ومن الأهمية بمكان تعزيز البيئة الوقائية للأطفال بدعم من جميع أصحاب المصلحة المعنيين، بما فى ذلك الآباء ومقدمو الرعاية والمعلمون ومقدمو الخدمات. ولا يقل أهمية عن ذلك إشراك وتمكين الأطفال أنفسهم. ويحتاج الأطفال إلى تنمية قدراتهم الذاتية باعتبارهم مواطنين رقميين وإلى تعلم قيم راسخة ومهارات حياتية، بما فى ذلك تحمل المسئولية عن تصرفاتهم تجاه الآخرين.
ويجرى العمل فى العديد من البلدان للتشجيع على إطلاق مبادرات هامة مع وضع هذه العناصر فى الاعتبار. فعلى سبيل المثال، ركزت حملة وطنية فى المكسيك على زيادة الوعى على المستوى المحلى بمخاطر التنمر عبر الإنترنت، حيث تدعم أولياء الأمور بمعلومات حول هذه الظاهرة وتساعدهم على تحديد ومعالجة التغيرات فى سلوك الأطفال المرتبطة بالتنمر عبر الإنترنت.
وفى الأرجنتين وشيلي، ركزت الجهود على تدريب المعلمين، وتنظيم حلقات عمل للطلاب، وتوجيه الوالدين بشأن التنمر عبر الإنترنت، فضلًا عن الرعاية العقلانية للضحايا والقائمين بالتنمر لمنع حالات التنمر فى المستقبل.
وفى الولايات المتحدة الأمريكية، استحدثت الحكومة موردًا شاملًا للوقاية والتصدي. ويتيح موقع مخصص على الإنترنت معلومات عن طبيعة التنمر، والتنمر عبر الإنترنت، وعن الذين يمكن أن يكونوا عرضة للمخاطر، والكيفية التى يمكن بها منع التنمر والتصدى له. وبالإضافة إلى تقديم المشورة للآباء والأطفال، يحتوى الموقع على معلومات عن وقت الإبلاغ عن التنمر عبر الإنترنت والجهة التى يوجه لها هذا الإبلاغ.
وفى الجمهورية التشيكية، يقدم مركز خاص معلومات وموارد بشأن المخاطر التى تواجه الأطفال على الإنترنت، بما فى ذلك التنمر عبر الإنترنت، والاستمالة عبر الإنترنت، والتحرش عبر الإنترنت، والرسائل النصية القصيرة الجنسية، وتبادل المعلومات الشخصية من خلال الشبكات الاجتماعية وتقنيات الاتصال الخطرة الأخرى.

الاستفادة من إمكانات المدارس
يمكن للتسلط عبر الإنترنت أن يتجاوز البيئة المدرسية، ويمكن أن تؤثر عواقبه على رفاه الأطفال وأدائهم المدرسي، إلا أن المدارس تتمتع بوضع فريد يمكنها من تعزيز السلوك غير العنيف ودعم التغييرات فى المواقف التى تتغاضى عن العنف. ومن خلال التعليم الجيد، يمكن للأطفال أن يكتسبوا المهارات والقدرات اللازمة لتجنب المخاطر والتصدى لها، وأن يصبحوا مواطنين رقميين واعين ومسئولين. وأفضل طريقة للتعامل مع التنمر عبر الإنترنت هى منعه، والمدرسة هى البيئة المثالية لاتخاذ الإجراءات التى تعود بالفائدة على مجتمع الطلاب ككل.
ولهذا السبب، شددت بعض البلدان على التنسيق وتنفيذ إستراتيجية شاملة للوقاية والتصدى يقودها فريق الإدارة العليا للمدرسة. ففى المملكة المتحدة، من بين الأنشطة التى أبرزها الباحثون مع تلاميذ المدارس الاستخدام الإيجابى للتكنولوجيا لزيادة تقديرهم للذات وإبداعهم ومشاركتهم، وتعزيز السلامة الإلكترونية، ومحو الأمية الرقمية، والسبل الصحيحة للاتصال على شبكة الإنترنت، أو “آداب التعامل عبر الإنترنت”، وتوفير آليات صديقة للطفل للإبلاغ عن التنمر عبر الإنترنت ومعلومات عن كيفية الاتصال بمقدمى الخدمة بصورة مباشرة. ولإبقاء التنمر عبر الإنترنت قضية حية، يتم التشديد أيضًا على إجراء استقصاءات سنوية، وتقييم أثر التدابير المتخذة ونشر النتائج الإيجابية للمبادرة.

مجالات العمل الرئيسية
أتاح التطور السريع لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتوسعها فرصًا جديدة لإعمال حقوق الطفل، فضلًا عن أنه فرض تحديات كبيرة فى مجال حماية الأطفال من العنف. والتنمر عبر الإنترنت هو أحد هذه التحديات. ولا تزال المعلومات المتاحة عن هذه الظاهرة وأثرها على الأطفال وعلى تدابير منعها والتصدى لها محدودة. غير أن البحوث والتجارب فى مناطق مختلفة تشير إلى عدد من المجالات الرئيسية التى تحتاج إلى إجراءات لضمان سلامة الأطفال وحمايتهم.
ويتعين أن يكون تمكين الأطفال ومساهمتهم فى صميم هذه الجهود. فعندما يحصل الأطفال على دعم مناسب وعلى فرصة تعلم المهارات الحياتية التى تزيد من ثقتهم وقدرتهم على الصمود فى الاستخدام الآمن لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فإنهم يصبحون أكثر الوكلاء فعالية فى منع المخاطر والتصدى لها وفى حماية الأطفال الآخرين.
ولتحقيق ذلك، من الأهمية بمكان توفير المعلومات والمشورة للوالدين، ولغيرهم من الكبار الذين يتعاملون مع الأطفال، بشأن التقنيات والممارسات القائمة على الإنترنت، فضلًا عن كيفية تصور الأطفال لعالم الإنترنت وتفاعلهم معه وتصفحهم له. ولا بد من إجراء حوار مفتوح بين الآباء والأطفال، بما فى ذلك قضاء الآباء لبعض الوقت فى تصفح الإنترنت مع أطفالهم، وتوجيههم وطمأنتهم ومناقشة الممارسات على الإنترنت التى قد تنطوى على مخاطر. وينبغى أن يتطرق هذا الحوار إلى الجوانب المتنوعة من السلوك عبر الإنترنت، بما فى ذلك المواقع التى تمت زيارتها، وحماية الخصوصية، والتبادل الآمن للمعلومات والصور.
وتوفر المدارس بعدًا حاسمًا آخر من هذه العملية. وعندما يتم الترويج لنهج “المدرسة ككل”، فإن ذلك يفتح آفاقًا جديدة لتوجيه عملية إعداد ونشر سياسات واضحة بشأن ما هو مقبول وما هو غير مقبول، وتعزيز الانخراط فى العمل والتوعية وبناء قدرات الجهات الفاعلة ذات الصلة، بما فى ذلك الإدارة العليا للمدرسة والمعلمين والطلاب وأولياء الأمور والسلطات المحلية، وإنشاء آليات إبلاغ صديقة للطفل، وتهيئة بيئة تعليمية آمنة وشاملة ومتسامحة.
ويتيح التشريع الواضح والشامل أداة مفيدة للغاية فى مكافحة التنمر عبر الإنترنت، مما يساعد على منعه ومكافحة الإفلات من العقاب، وضمان حماية الأطفال وتجنب إيذائهم من جديد، وتوفير سبل انتصاف فعالة وإجراءات إبلاغ مراعية للطفل، ووضع طرق تصالحية ترمى إلى إصلاح ما وقع من ضرر وتمنع فى الوقت نفسه تجريم الأطفال.
وأخيرًا، من المهم استكشاف الإمكانات الواعدة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات فى توفير وسائل تتيح للأطفال اكتساب المهارات والحصول على المعلومات ذات الصلة والتماس الدعم والتصدى للمخاطر بثقة وفى أمان. وينبغى أيضًا تشجيع تطوير التطبيقات المصممة خصيصًا للأطفال والآليات التى تيسر على الأطفال حماية أنفسهم من التنمر عبر الإنترنت، ومن الممارسات الضارة الأخرى عبر الإنترنت، بما فى ذلك حجب المتسلطين وتحديدهم والإبلاغ عنهم.

عن الكاتب

كلمات البحث:
شارك

حماية الأطفال من التنمر عبر الإنترنت

التعليق

  • تعرف على

    أفضل موسوعة عربية فى مجال التقنيات المعلوماتية في مصر والعالم العربي، وتقوم بنشر المعرفة المتكاملة والمستحدثة بكافة صورها حاليآ ومستقبلآ.

  • تابعنا على الفيس بوك

© 2014 جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الاهرام